الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
34
هداية المسترشدين
حصوله ، واعتباره في نفس التكليف ليكون القصد المذكور مأخوذا في النواهي ليعتبر القربة في التروك المطلوبة بها ليلزم اندراجها في العبادة ، وهو ظاهر . فالحق في دفعه : أن يقال : إن ذلك لا يكفي في تصحيح التكليف ، إذ لا بد في صحة التكليف بالفعل أو الترك كونه في حيز الإمكان ، فيكون خارجا عن درجتي الوجوب والامتناع ، فلو كان الفعل أو الترك واجبا لم يصح تعلق الأمر أو النهي به . غاية الأمر أنه إذا كان تركه واجبا كان تعلق الأمر به قبيحا من قبح التكليف بما لا يطاق ، وإن كان فعله واجبا كان قبحه من جهة الهذرية ، وهي أيضا إحدى الجهات في امتناع التكليف - حسب ما تقرر في محله - وكذا الحال لو كان الفعل أو الترك واجبا في تعلق النهي به ، لكن على عكس الحال في الأمر ، وليس مجرد صحة قصد الامتثال في صورة وجوب الفعل بالنسبة إلى الأمر وامتناعه بالنسبة إلى النهي كافيا في صحة التكليف ، فإن صحة القصد المذكور فرع تحقق التكليف ، فإذا كان التكليف قبيحا لم يصححه ذلك ولو اخذ ذلك قيدا في الفعل . وتوضيح القول في ذلك يتوقف على إطالة الكلام ولا يناسبه المقام ، سيما مع وضوح المرام ولعلنا نتعرض في المقام اللائق به . وبالجملة فقبح ما ذكر في الجملة من الأمور الظاهرة عند العقل . ألا ترى وضوح قبح أمر المكلف بالكون في المكان والزمان ونهيه عن الجمع بين النقيضين والطيران في الهواء مطلقا أو مقيدا بقصد التقرب ؟ مع جريان ما ذكره المستدل هنا فيها أيضا . والتحقيق في الإيراد على الدليل المذكور ما عرفته في الجواب عن غيره : من عدم دلالة ذلك على وضع الصيغة للدوام ، إذ لو كان موضوعا لما يستلزم الدوام مع الإطلاق - حسب ما قررنا - كان كافيا في حصول الثمرة المطلوبة . ومنها : ظهور التناقض عرفا بين قولنا - اضرب زيدا ولا تضربه - وقد عرفت أن مفاد اضرب هو طلب حقيقة الضرب في الجملة الحاصلة بمرة واحدة ، فلو كان النهي أيضا موضوعا لذلك لم يكن بينهما مناقضة ، لرجوعهما حينئذ إلى قضيتين مهملتين هما في قوة الجزئية ، ولا تناقض بين الجزئيتين بوجه من الوجوه .