الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

30

هداية المسترشدين

ودعوى كون المنع من الترك تابعا لإيجابه فلو لم يكن إيجابه على سبيل التكرار لم يكن المنع منه كذلك ، مدفوع : بأنا نقرر الكلام على فرض دلالة الأمر على طلب مطلق الطبيعة - كما هو مختار معظم المحققين - فيكون المنع من الترك التابع للأمر هو المنع من ترك نفس الطبيعة - كما هو مدلول سائر النواهي الواردة من غير فرق أصلا - فإذا صدق ترك الطبيعة بترك جميع أفرادها في آن واحد لزم أن يكون متعلقا للمنع ، إذ المفروض تعلق المنع بترك الطبيعة وقضاء ذلك بتركها في جميع الأزمان ، فلزم من ذلك أن يكون إيجادها مطلوبا في كل زمان . نعم لو قلنا بدلالة الأمر على المرة تم ما ذكر ، إلا أنه غير ما هو المفروض في التقرير المذكور . فظهر بما قررنا صحة ما ذكرنا من كون مفاد ترك الطبيعة تركها في جميع الأزمان ، وهو الذي يتعلق به الأمر ( 1 ) عند الأمر بالفعل ويحصل امتثاله بأداء المطلوب ولو مرة واحدة - كما مر بيانه في محله - وقد تبين بملاحظة جميع ما بيناه ضعف ما أورده المحقق المحشي ( رحمه الله ) من منع اقتضاء النهي سلب جميع الأفراد ، فإن ورود النفي على المفهوم خبرا وإنشاءا يتصور على وجهين : وروده في ضمن جميع أفراده ، ووروده عليه في الجملة ، بحيث يصلح تحققه في ضمن السلب الكلي والسلب الجزئي ، فلا يلزم ترك جميع الأفراد ولو في آن واحد أيضا انتهى ملخصا . كيف ! وصريح العرف ينادي بخلاف ما ذكره وليس المطلوب بالنهي إلا عدم إيجاد الفعل - كما مر - وهو رفع لما هو المطلوب بالأمر ، وكيف يعقل رفع إيجاد الفعل مع فرض الإتيان به مما لا يتناهى من أفراده ، فيكون مفاد النهي أمرا هو واجب الحصول . فما ذكره من الاحتمال فاسد قطعا لا مجال للخلاف فيه . فدلالة النهي على كون المطلوب ترك جميع أفراد المنهي عنه ولو في زمان واحد مقطوع به غير قابل للنزاع ، إنما الكلام في دلالته على اعتبار دوام الترك المفروض وعدمه ، وقد عرفت دلالته على ذلك حسب ما بيناه . ثانيهما : أن يكون مقصوده بذلك الرجوع إلى التبادر بدعوى أن المتبادر من

--> ( 1 ) كذا في نسخة " ق 1 " وفي سائر النسخ : المنع .