الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
22
هداية المسترشدين
من أول الأمر ، وهذا القدر كاف في التفاوت مضافا ، إلى اشتمال ما ذكره ثانيا على بيان جواب آخر عن أصل الاستدلال : فلا يخلو إعادته عن فائدة . فتحصل بما ذكر جوابان عن الاستدلال : أحدهما المنع من عدم مقدورية العدم حسب ما قررناه ، والآخر إثبات مقدوريته في الزمان المتأخر عن الصيغة وإن جعلهما جوابا واحدا أو جعل الجواب الثاني رفعا لما يورد على الجواب الأول فتأمل . قوله : * ( باعتبار استمراره . . . الخ ) * . هذا الوجه جواب عن الإيراد الآخر وكأنه لم يتعرض للجواب عن الأول اكتفاءا بما ذكر في الجواب عنه ، فإن لاستمرار العدم حظا من الوجود ، ولذا يستند في ملاحظة العقل إلى اختيار المكلف ويترتب ذلك عليه ، فلا يكون أثر القدرة نفيا محضا ، حسب ما ادعاه المستدل ، لكنك خبير بأن عدم الفعل نفي محض بحسب الخارج لا تأثير ولا تأثر فيه أصلا ، وليس استمرار العدم أمرا حاصلا بحسب الواقع وإنما هو اعتبار عقلي محض ، ثبوته في العقل كمفهوم العدم ، فتأثير صفة القدرة فيه بحسب الخارج غير معقول . والحق أن يقال : إن مقدورية الفعل إنما يكون باقتدار الفاعل على قطع استمرار العدم بالتأثير في الوجود ، لا بتأثيره في العدم أيضا ، وإن صح بذلك حكم العقل باستناد عدم المعلول إلى عدم علته ، فإن مناط الحكم بالاستناد المذكور هو عدم حصول الأثر عند عدم حصول التأثير لا بتأثير الفاعل في عدمه ، فالمراد باستناد عدم المعلول إلى علته والترتب العقلي الحاصل بينهما في لحاظ العقل هو ذلك ، لا بتأثير العدم في العدم . كيف ! وحصول التأثير والتأثر غير معقول بين الأعدام ، فليس تأثير القدرة في المقام إلا في جهة الوجود ويكون العدم مقدورا بذلك أيضا ، وحينئذ فما ادعاه المجيب " من لزوم تأثير القدرة في كل من جانبي الوجود والعدم وإلا لكان وجوبا لا قدرة " كما ترى . ويمكن تنزيل كلامه على ما ذكرنا فيكون مقصوده بالتأثير في العدم هو مفاد الترتب العقلي المذكور ، وهو لا ينافي كون عدم الفعل نفيا محضا بحسب الخارج . * * *