الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
19
هداية المسترشدين
إلى الكف بدعوى عدم مقدورية العدم فلا يمكن تعلق التكليف به واه جدا ، كما سيجئ الإشارة إليه إن شاء الله تعالى . قوله : * ( يعد في العرف ممتثلا [ ويمدحه العقلاء ] على أنه لم يفعل ) * . لا يخفى أن صدق الامتثال موقوف على كون الترك لأجل النهي لا لجهة أخرى ، وحينئذ يمدح على ترك الفعل من جهة قصده الترك لأجل النهي ، وهو مفاد الكف عن الفعل ، فلا دلالة في ذلك على كون المطلوب نفس الترك . وفيه : أن حيثية الكف مغايرة للجهة المذكورة وإن كان صادقا ، له فحصول المدح على الجهة المذكورة شاهد على كون المطلوب نفس الترك حتى عد الترك الحاصل من جهة النهي امتثالا ، فإن حقيقة الامتثال هو الإتيان بما كلف به من جهة كونه مكلفا به ، فلو كان المكلف به هنا هو الكف لكان الامتثال حاصلا به من الجهة المذكورة لا من جهة الترك ، فلما وجدنا حصول الامتثال بمجرد الترك الحاصل على الوجه المذكور دل على كونه هو المكلف به في النهي هذا ، ومرجع الدليل المذكور إلى ما ذكرناه من التبادر . وقد يستدل عليه أيضا بأنه كثيرا ما يترك الحرام مع إرادة الفعل على وجه لو حصل له القدرة عليه لأتى به أو من دون إرادة أصلا ، وعلى الوجهين لا يحصل الكف ، فلو كان المكلف به هو الكف لزم حينئذ فواته ويلزمه ترتب العقاب . وأورد عليه : بالتزام ترتب العقاب في المقام ، لكون العزم على ترك الحرام من أحكام الإيمان والمفروض انتفاؤه في الصورتين ، فيترتب العقاب عليه . وضعفه ظاهر ، فإن العصيان حينئذ - على فرض تسليمه - إنما يترتب على مخالفة تكليف آخر ، دون ترك المكلف به بالتكليف المفروض ، إذ لا يصدق مخالفته للنهي المذكور قطعا ، وإن حصل عزمه على المخالفة في الصورة الأولى وترك العزم على الطاعة في الثانية ، فلو كان المطلوب بالنهي الكف لصدق مخالفته لنفس النهي المذكور أيضا ، لانتفاء مطلوبه الذي هو الكف ، ومن الواضح خلافه .