أبو علي سينا
5
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
في تحقيق المخطوط - 1 - لا يخلو فيلسوف من كلام في النفس الإنسانية ، لأنها أقرب الأشياء إلينا ، وهي إلى ذلك القرب شديدة الغموض . وكلما خيّل إلى المفكرين أنهم قد ازدادوا بها علما ، وبلغوا حقيقة أمرها ، وكشفوا سرها ، وعرفوا جوهرها ، إذا بهم يجدون ذلك العلم سرابا ، والجوهر مظهرا خلابا . ولا نزال إلى اليوم حيث كان سقراط وأفلاطون وأرسطو ، بل أشد عن الحقيقة بعدا . ولذلك ضرب العلم الحديث صفحا عن طلبها ، واكتفى بتحليل الظواهر النفسية ، وترك للفلاسفة ميدان الجوهر يسلكون إليه السبيل ، عسى أن يصلوا يوما ما إلى معرفة حقيقة النفس . وقد طلب ابن سينا معرفة النفس منذ صدر شبابه ، لأنّ « من عرف نفسه فقد عرف ربه « 1 » » كما حدثنا في رسالة القوى النفسانية التي ألفها للأمير نوح بن منصور ، فكانت أول مؤلفاته . وإذا كان الشيخ الرئيس قد استهل حياته الفكرية برسالة في النفس ، فقد اختتمها أيضا بعد أربعين سنة من تأليف ذلك الكتاب ، برسالة صغيرة في النفس الإنسانية « 2 » . وألّف فيما بين ذلك خلال هذه السنوات كثيرا من الرسائل النفسية ، وكذلك الفن السادس من طبيعيات الشفاء ، وهو كتاب النفس الّذي يعد أو في ما كتب في هذا الباب . والدليل على أهمية كتاب النفس السينوى ، وعلى أثره العظيم في العصر الوسيط ، أنه نقل إلى اللاتينية ، فانتشر بين فلاسفة أوروبا انتشارا كبيرا ، تشهد بذلك المخطوطات الباقية
--> ( 1 ) هدية الرئيس للأمير ، مطبعة المعارف 1325 ه ، ص 16 . ( 2 ) نشرت هذه الرسالة عن النسخة الخطية الوحيدة الموجودة في مكتبة ليدن ، وذلك في عدد مجلة الكتاب الخاص بابن سينا ، ابريل 1952 ص 419 ، وهي بعنوان رسالة في الكلام على النفس الناطقة .