أبو علي سينا

41

أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )

بناء على هذه الأصول ، يقرر ابن سينا « بالقياس البرهاني » الّذي يرتفع من الجزئيات المشاهدة إلى القضايا المجهولة الغائبة ، أن « النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل والنظام المعقول في الكل ، والخير الفائض في الكل » . فاللذة العقلية أعلى مرتبة من سائر اللذات ، وأعلى اللذات ما اقترب من المبادئ العالية ، التي لها في ذاتها حال من البهاء أجل من اللذة الحسية التي نشعر بها . ولهذا السبب سميت هذه الحالة بالسعادة ، وسماها ابن سينا في الإشارات « البهجة » . ولا ينبغي أن تقاس اللذة الحسية بهذه اللذة العقلية أو السعادة . على أننا لا نحس بهذه اللذة على كمالها وتمامها لأننا متصلون بالأبدان . وهناك درجتان من السعادة يمكن الوصول إليهما : الأولى أن نخلع ربقة الشهوة ، والثانية وهي السعادة الحقة ، وهذه لا يبلغها المرء إلا إذا انفصل انفصالا تاما عن البدن ، أي بعد مفارقة النفس الجسم . وهذا هو الّذي يسميه ابن سينا بالمعاد . وبعد مفارقة الأنفس ، تحدث إما شقاوة وإما سعادة . فإذا ظل المرء متعلقا بالبدن حتى بعد الموت ، كما ينسى المريض لذة الحلو لطول تناوله الدواء المر ، فهذه هي الشقاوة . وإذا بلغت القوة العقلية كمالها في الحياة الدنيا ، وفارقت النفس البدن ، طالعت اللذة العظيمة ، وهذه هي السعادة . أما الشروط التي ينبغي توفرها لبلوغ السعادة الأخروية ، فهو إصلاح الأخلاق ، وهو الجزء العملي من النفس . والأخلاق ملكة التوسط بين الإفراط والتفريط . وتنشأ الفضيلة من « استعلاء » القوة العقلية ، و « إذعان » القوة الحيوانية . فإذا اكتسبت النفس في هذه الدنيا الهيئة الصالحة الناشئة من استعلاء القوة العقلية ، ثم فارقت ، بلغت السعادة .