أبو علي سينا

37

أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )

وليس هذا المحرك عقلا صرفا بل نفسا . ولما كانت هناك صلة بين الحركات السماوية وبين العالم الأرضي ، فالعالم السماوي يتصور العالم الأرضي « بتفصيله وتلخيصه والأجزاء التي فيه لا يعزب منها شيء » . ومن المطاعن التي وجهت إلى فلسفة ابن سينا أن اللّه لا يعلم الجزئيات ، وهذا غير صحيح ، فالشيخ في النجاة يصرح بأن « واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلى ، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض » « 1 » ولنرجع إلى الأصل الّذي في أنفسنا ، وكيف يمكن أن نطلع على الأمور الكلية والجزئية الكائنة الآن ، والتي سوف تقع في المستقبل . هذه القوى النفسانية قد تحجب لأمرين ، الأول لضعفها ، والثاني لاشتغالها بغير الجهة التي إليها الوصول . فإذا زال الحجاب كان الاتصال واقعا ، فيتسنى مطالعة كل شيء . أما الأمور الكلية فإن النفس تنالها بالعقل النظري من الجواهر العالية . ولابن سينا تشبيه طريف يبين فيه كيفية استفادة القوى النفسانية المختلفة عن العالم السماوي . فالبدن كالبيت ، وفيه كوة ، وخارج الكوة شمس ، هي العقل الفعّال . وقد يحدث عن هذه الشمس إما تسخين وهذه هي القوة النباتية ، وإما إنارة وهذه هي القوة الحيوانية ، وإما اشتعال وهذه هي النفس الإنسانية . وبذلك يمكن أن نفهم تعبير ابن سينا الّذي يقول فيه : إن شخصا قد يكون مؤيد النفس بشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادئ العقلية العالية « فيشتعل حدسا » أي قبولا لإلهام العقل الفعّال . ومثل هذا الشخص هو النبي ، ويسميه ابن سينا « الملك الحقيقي » و « الرئيس » الّذي يتصل بعالم العقل ، وعالم النفس ، ويؤثر في الطبيعية . ويتبين من ذلك أن اتهام ابن سينا بأنه يفسر النبوة بقوة التخيل فقط تهمة باطلة ،

--> ( 1 ) النجاة ص 404 - الطبعة الأولى .