أبو علي سينا

196

أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )

الثواني إما بالفكرة وهي تعرّف ما في هذه المعقولات الأول بالتأليف والتركيب ، وإما بالحدس وهو تمثل الحد الأوسط فيها دفعة واحدة من غير فكر وتأمل . وأعنى بالحد الأوسط العلة الموجبة للتصديق بوجود شيء أو عدمه ، أي الدليل المعرّف للحكم . وهذا قد يكون عقيب طلب وشوق إلى حصول المعقولات ، وقد يكون ابتداء من غير اشتياق وطلب . ومهما حصل الدليل حصول المدلول لا محالة . ثم يحصل لها بهذه المعقولات المكتسبة هيئة وحالة تتهيأ بها لإحضار المعقولات متى شاءت من غير افتقار إلى اكتساب . وهذه الهيئة تسمى ملكة ، وتلك القوة ، في هذه الحالة وبهذا الاعتبار تسمى عقلا بالفعل . وإذا كانت المعقولات حاصلة لها بالفعل مشاهدا متمثلا فيها سميت بهذا الاعتبار عقلا مستفادا . وهذه النفس الناطقة جوهر قائم بذاته ، غير منطبع في بدن الإنسان ، ولا في غيره من الأجسام ، بل هو مفارق للمواد والأجسام مجرد عنها ، وله علاقة ما ببدن الإنسان ما دام حيّا . وليس تلك العلاقة كتعلق الشيء بمحله ، بل كتعلق مستعمل الآلة بالآلة . وهو حادث مع البدن لا قبله ، وليس يفسد بفساد البدن وموته بل يبقى كما كان ، إلا أنه [ تحصل له حالة تسمى عندما ] تنقطع علاقته عن البدن ، أي بعد انقطاع العلاقة بالموت ، سعادة ولذة ، أو شقاوة وألما . وسعادته بتكميل جوهره ، وذلك بتزكيته بالعلم باللّه ، والعمل للّه . وتزكيته بالعمل للّه هو تطهيره عن الأخلاق الرذيلة الردية ، وتقويمه عن الصفات الذميمة والعادات السيئة القبيحة عقلا وشرعا ، وتحليته بالعادات الحسنة والأخلاق الحميدة والملكات الفاضلة المرضية عقلا وشرعا . وأما تزكيته بالعلم للّه فتحصيل ملكة له ، بها يتهيأ لإحضار المعقولات كلها متى شاء من غير افتقار إلى اكتساب ، فتكون المعقولات كلها حاصلة له بالفعل ، أو بالقوة القريبة غاية القرب من الفعل ، فتصير النفس كمرآة صقيلة تنطبع فيها صور الأشياء كما هي عليها من غير اعوجاج ، ومهما قوبلت بها بالتزكية العلمية تحصل ممارسة العلوم الحكمية النظرية .