أبو علي سينا
186
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
الفصل الثّاني في بقاء النفس بعد بوار البدن اعلم أن الجوهر الّذي هو الإنسان في الحقيقة لا يفنى بعد الموت ، ولا يبلى بعد المفارقة عن البدن ، بل هو باق لبقاء خالقه تعالى ، وذلك لأن جوهره أقوى من جوهر البدن ، لأنه محرك هذا البدن ومدبره ومتصرف فيه ، والبدن منفصل عنه تابع له ، فإذن لم يضر مفارقته عن الأبدان وجوده ، إذ البدن موجود باق بعد الموت ، فإذن لا يضر وجود النفس ، وبقاؤه كان أولى . ولأن النفس من مقولة الجوهر ، ومقارنته مع البدن من مقولة المضاف ، والإضافة أضعف الأعراض لأنه لا يتم وجودها بموضوعها ، بل يحتاج إلى شيء آخر وهو المضاف إليه ، فكيف يبطل الجوهر القائم بنفسه ببطلان أضعف الأعراض المحتاج إليه ؟ ومثاله أن من يكون مالكا لشيء متصرفا فيه ، فإذا بطل ذلك الشيء لم يبطل المالك ببطلانه ؛ ولهذا فإن الإنسان إذا نام بطلت عنه الحواس والإدراكات وصار ملقى كالميت ؛ فالبدن النائم في حالة شبيهة بحال الموتى ، كما قال رسول اللّه عليه السلام : « النوم أخو الموت » . ثم إن الإنسان في نومه يرى الأشياء ويسمعها ، بل يدرك الغيب في المنامات الصادقة بحيث لا يتيسر له في اليقظة . فذلك برهان قاطع على أن جوهر النفس غير محتاج إلى هذا البدن ، بل هو يضعف بمقارنة البدن ويتقوى بتعطله ، فإذا مات البدن وخرب تخلص جوهر النفس عن جنس البدن . فإذا كان كاملا بالعلم والحكمة والعمل الصالح انجذب إلى الأنوار الإلهية ، وأنوار الملائكة ، والملأ الأعلى ، انجذاب إبرة إلى جبل عظيم من المغناطيس ، وفاضت عليه السكينة ، وحقت له الطمأنينة ، فنودي من الملأ الأعلى : « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي » .