أبو علي سينا
184
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
حبس عن الإنسان الغذاء مدة قليلة نزل وانتقص قريب من ربع بدنه . فتعلم نفسك أن في مدة عشرين سنة لم يبق شيء من أجزاء بدنك ، وأنت تعلم بقاء ذاتك في هذه المدة ، بل جميع عمرك ، فذاتك مغايرة لهذا البدن وأجزائه الظاهرة والباطنة . فهذا برهان عظيم يفتح لنا باب الغيب ، فإن جوهر النفس غائب عن الحواس والأوهام . فمن تحقق عنده هذا البرهان وتصوره في نفسه تصورا حقيقيا فقد أدرك ما غاب عن غيره . البرهان الثاني : هو أن الإنسان إذا كان متهما في أمر من الأمور فإنه يستحضر ذاته حتى إنه يقول : إني فعلت كذا وفعلت كذا ، وفي مثل هذه الحالة يكون غافلا عن جميع أجزاء بدنه ؛ والمعلوم بالفعل غير ما هو مغفول عنه ، فذات الإنسان مغايرة للبدن . البرهان الثالث : هو أن الإنسان يقول : أدركت الشيء الفلاني ببصرى فاشتهيته ، أو غضبت منه ، وكذا يقول : أخذت بيدي ، ومشيت برجلي ، وتكلمت بلساني ، وسمعت بأذني ، وتفكرت في كذا وتوهمته وتخيلته ؛ فنحن نعلم بالضرورة أن في الإنسان شيئا جامعا يجمع هذه الإدراكات ويجمع هذه الأفعال ، ونعلم أيضا بالضرورة أنه ليس شيء من أجزاء هذا البدن مجمعا لهذه الإدراكات والأفعال ، فإنه لا يبصر بالأذن ولا يسمع بالبصر ولا يمشى باليد ولا يأخذ بالرجل ، ففيه شيء مجمع لجميع الإدراكات والأفاعيل الإلهية ، فإذن الإنسان الّذي يشير إلى نفسه ب « أنا » مغاير لجملة أجزاء البدن ، فهو شيء وراء البدن . ثم نقول : إن هذا الشيء الّذي إنه هوية الإنسان ومغاير لهذه الجثة لا يمكن أن يكون جسما ولا جسمانيا ، لأنه لو كان كذلك لكان أيضا منحلا سيالا قابلا للكون والفساد بمنزلة هذا البدن ، فلم يكن باقيا من أول عمره إلى آخره ، فهو إذن جوهر فرد روحاني ، بل هو نور فائض على هذا القالب المحسوس بسبب استعداده وهو المزاج الإنسانى . وإلى هذا المعنى أشير في الكتاب الإلهي بقوله :