أبو علي سينا

170

أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )

المعاني في ذاتها ، وفي تركيب القياسات منها لا عند التصديق ولا عند التصور للاعتقادين ، على ما سنوضحه بعد . ومهما استنبطت الفوائد الحسية التي تمس الحاجة إليها بالجبلة المذكورة رفضت استخدام القوى الحسية ، بل كفت بذاتها جميع ما تتداولها من الأفاعيل . وكما أن القوى الحسية إنما تدرك بتشبه من المعقول ، وهذا التشبه تجريد الصورة من المادة ، والالتصاق بها ، إلا أن القوة الحساسة لا تحصل الصورة الحسية بإرادة حركة وفعل منها ، بل بوصول ذات المحسوس إليها إما بالاتفاق ، وإما بتوسط القوة المحركة وتجرد الصور لها بإعانة الوسائط الموصلة للصور إليها ، وأما القوة العاقلة فهذا الشأن فيها بالخلاف ، لأنها بذاتها قد تعقل ذاتها بتجريد الصورة عن المادة مهما أرادت ثم تلصق بها ؛ فلهذا قيل إن القوة الحاسة منفعلة في تصورها ضربا من الانفعال ، والقوة العاقلة فاعلة . بل لهذا قيل إن القوة الحاسة لا غنى لها عن الآلات ، ولا فعل لها بالذات ، وأبى إطلاق هذه القضية على القوة العاقلة . والعقل بالفعل ليس إلا صور المعقولات إذا أعدت في ذات العقل بالقوة ، وبه أخرجته إلى الفعل ، ولذلك قيل : إن العقل بالفعل عاقل ومعقول معا . ومن خواص القوة العاقلة أن توحّد الكثير ، وتكثر الواحد ، بالتحليل والتركيب . أما التكثير فكتحليل إنسان واحد إلى جوهر وجسم ومغتذ وحيوان وناطق . وأما تأحد الكثير فكتركيبه من الجوهر والجسم والحيوان والناطق معنى واحدا وهو الإنسان . والعقل ، وإن طرق فعله بمدة زمانية في تركيب القياسات باستعمال الروية ، فإن تحصيلها للنتيجة في ذاتها التي هي ثمرة الفكر والغاية المطلوبة لا تتعلق بزمان ولا تحصل إلا في آن ، بل ذات العقل ترتفع عن الزمان بأسره . والنفس الناطقة إذا أقبلت على العلوم سمى فعلها عقلا ، وسميت بحسبه عقلا نظريا ؛ وقد أتيت على وصفه . وإذا أقبلت على قهر القوى الذميمة الداعية إلى الجربزة بإفراطها ، والغباوة بتفريطها ، والتهور بثورانها ، والجبن بفتورها ، والفجور بهيجانها ، والسل بخمودها ،