أبو علي سينا
167
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
المتخيلة تفعل أفاعيلها من غير اعتقاد منها أن الأمور على حسب تصوراتها ، وهذه القوة هي المسماة بالمتوهمة والظانة . ثم في الحيوان قوة تحفظ معاني ما أدركته الحواس مثل أن الذئب عدو ، والولد حبيب ولىّ ، فمن البيّن أن هذه القوة غير المتصورة ، وذلك أن المتصورة لا صور فيها إلا ما استفادتها من الحواس . ثم الحواس لم تحس بعداوة الذئب ولا محبة الولد ، بل صورة الذئب وخلقة الولد . وأما المحبة والإضرار فإنما نالهما الوهم ، ثم خزنهما في هذه القوة . وبيّن أنّ هذه القوة غير المتخيلة ، وذلك أن المتخيلة قد تتخيل غير ما استصوبه الوهم وصدقه واستنبطه من الحواس ، وأما هذه القوة فلا تتصور غير ما استصوبه الوهم وصدقه واستنبطه من الحواس . وهذه القوة غير القوة المتوهمة ، وذلك لأن القوة المتوهمة ليست تحفظ ما صدقه شيء آخر ، وهذه القوة هي المسماة بالحافظة والمتذكرة . والقوة المتخيلة إذا استعملتها القوة المتوهمة بانفرادها سميت بهذا الاسم ، أعنى المتخيلة ، وإذا استعملتها القوة الناطقة سميت بالقوة المفكرة . والقلب ينبوع جميع هذه القوى عند أرسطوطاليس الفيلسوف ، إلا أن سلطانها في آلات مختلفة . فأما سلطان الحواس الظاهرة ففي آلاتها المعلومة . وأما سلطان المتصورة ففي التجويف المقدم من الدماغ . وأما سلطان القوة المتخيلة ففي التجويف الأوسط . وأما سلطان القوة المتذكرة ففي التجويف المؤخر من الدماغ . وأما سلطان القوة المتوهمة ففي جميع الدماغ ، لا سيما في حيز المتخيلة منه . وبحسب ما ينال التجاويف من الآفات ينال أفاعيل هذه القوى . ولو أنها كانت قائمة بذاتها فعالة بذاتها ، لما احتاجت في خصائص أفعالها إلى شيء من الآلات . وبهذا نعلم أن هذه القوى لا تقوم بذاتها ، بل القوة الغير المائتة هي النفس النطقية ، كما سنوضحه بعد . على أنها قد تستخلص لنفسها لباب هذه القوى ضربا من الاستخلاص فتوجدها بذاتها . وسوف يرد بيان هذا قريبا ، إن شاء اللّه تعالى وحده .