أبو علي سينا

161

أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )

الفصل السّادس في تفصيل القول في الحواس الخمس وكيفية إدراكها أما القوة المبصرة فقد اختلف الفلاسفة في كيفية إدراكها ، فزعمت طائفة منهم أنها إنما تدرك بشعاع يبرز عن العين فيلاقى المحسوسات المرئية ؛ وهذه طريقة أفلاطن الفيلسوف . وزعم آخرون : أن القوة المتصورة تلاقى بذاتها المحسوسات المبصرة . وقال آخرون : إن الإدراك البصري انطباع أشباح المحسوسات المرئية في الرطوبة الجليدية من العين عند توسط الجسم المشف بالفعل عند إشراق الضوء عليه ، انطباع الصورة في المرايا ، فلو أنّ المرايا كانت ذات قوة باصرة لأدركت الصورة المنطبعة فيها ؛ وهذه طريقة أرسطوطاليس الفيلسوف ، وهو القول الصحيح المعتمد . فأما بطلان قول أفلاطن فذلك بيّن ، لأن الشعاع لو كان يخرج من البصر ويلاقى المحسوسات لكان البصر لا يحتاج إلى الضوء الخارج ، بل لكان يدرك في الظلمة ، بل ولكان ينوّر الهواء عند خروجه في الظلام . على أن هذا الشعاع لا يخلو إما أن يكون قوامه بالعين فقط ، فإذن قول أفلاطن بخروجه من العين محال ؛ وإما أن يكون قوامه بجسم غير جسم العين ، إذ لا بد له من حامل ، إذ الشعاع كيفية عرضية ؛ وذلك الجسم لا يخلو إما أن يكون منبعثا من العين ، ويلزم حينئذ أن لا تبصر العين جميع ما تحت السماء الصافي ، إذ الجسم لا ينفذ في الجسم بأسره ، اللهم إلا أن ينقله ويخلف مكانه . ولعل الخصم يعتذر بالخلاء ، إلا أن أفلاطن ينكر وجود الخلاء البتة . وعلى أننا إذا سلمنا وجود الخلاء مسامحة ، فإن الجسم الخارج من العين إنما ينفذ في جسم الماء في بعض فرجه الخالية لا في جميع عظمه ، فيجب بحسب هذا القول أن لا تبصر العين إلا بعض المواضع مما تحت الماء . وإما أن