أبو علي سينا
158
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
الفصل الخامس في تفصيل القوى الحيوانية وذكر الحاجة إلى كل واحد منها أقول : إنّ كل حيوان حاس فهو متحرك بالإرادة ضربا من الحركة ، وكل حيوان متحرك ضربا من الحركة بالإرادة فهو حاس ، إذ الحس فيما لا يتحرك بالإرادة معطل لا يفيد ، وعدمه فيما يتحرك بالإرادة ضار . والطبيعة - لما قرنت بها من العناية الإلهية - لا تعطى شيئا من الأشياء معطلا ولا ضارا ، ولا تمنع ضروريا ولا نافعا . وعسى قائلا يعترض علينا فيقول : إن الأصداف مما يحس ولا يتحرك بالإرادة . إلا أن هذا الاعتراض يزول سريعا بالتجربة ، فإن الأصداف وإن لم تتحرك من مواضعها ضربا من الحركة المكانية الآلية بالإرادة ، فإنها قد تنقبض وتنبسط في داخل صدفها ، وعلى ما شاهدناه بالعيان . على أنى قد جربت غير مرة ، فقلبت الصدف على ظهره حتى تباعد موضع جذبه الغذاء عن الأرض ، فما زال يضطرب حتى عاد فوقف على هيئة يسهل له بها جذب الغذاء عن الأرض الحمئة . وإذ قد تحقق لنا هذا فنقول : إن الحكمة الإلهية لما اقتضت أن يكون حيوان متحرك بالإرادة مركبا من العناصر الأربعة ، وكان لا يؤمن عليه أضرار الأمكنة المتعاقبة عليه عند الحركة ، أيّد بالقوة اللمسية حتى يهرب بها عن المكان الغير الملائم ، ويقصد بها المكان الملائم . ولما كان مثله من الحيوانات لا يستغنى بجبلته عن التغذى ، وكان اكتسابه للغذاء بضرب إرادى ، وكان من الأطعمة ما يوافقه ومنها ما لا يوافقه ، أيد بالقوة الذوقية . وهاتان القوتان نافعتان ضروريتان في الحياة ، والبواقي نوافع غير ضروريات . ويلي الذوقية في تأكد الحاجة إليها القوة الشمية ، إذ كانت الروائح تدل الحيوان