أبو علي سينا
154
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
الفصل الثّالث في تقرير أنه ليس شيء من القوى النفسانية بحادث عن امتزاج العناصر بل وارد عليها من خارج الأشياء المختلفة مهما تركبت وحصل في المركب صورة ، فإما أن تكون مائلة إلى شيء من صور البسائط أو لا تكون كذلك . فإن لم تكن كذلك ، فإما أن تكون حاصلة عن جملة صور البسائط بحسب مفارقة التساوي ، وإما أن لا تكون منتمية إلى شيء من صور البسائط ، بل تكون صورة زائدة على مقتضى صور البسائط بحسب اعتبارها بالبساطة ، وبحسب اعتبارها بالتركيب . أما مثال القسم الأول فالطعم المائل إلى المرارة عند تركيب صبر غالب وعسل مغلوب . وأما مثال الثاني فاللون الأدكن المتكافئ في النسبة إلى طرفي البياض والسواد الحاصل عند تركيب أبيض وأسود مقاومين . ومثال الثالث من الأقسام المذكورة فنقش الخاتم الحاصل في الطين المركب من التراب اليابس ، والماء السائل ، عند اختلاطهما ؛ فمعلوم أن النقش الحاصل في الطين ليس بمقتضى صور البسائط ، لا إذا اعتبرت بحسب التركيب ، ولا إذا اعتبرت بحسب البسائط . ومعلوم أن القسم الأول إذا كان واقعا بين بسائط متضادة الصور ، لا بحسب الاختلاط ، بل بحسب الامتزاج ، أن الأضداد المغلوبة لا يكون لها في ذواتها أو في تأثيراتها الخاصة بها وجود ، لامتناع سريان ضدين في حامل واحد معا ، بل تكون غاية تأثيراتها إحلال النقص بقوة الغالب فقط . ومعلوم أن القسم الثاني مهما وجد أوجب التكافؤ والتساوي في مقتضى أفاعيل صور البسائط ومقتضى انفعالاتها . ومعلوم أن القسم الثالث إذا وجد لم يكن حاصلا من ذات المركب ، إذ ليس له اعتبار لا بحسب صورته البسيطة ولا المركبة ؛ فإذن هو مستفاد من خارج .