أبو علي سينا

150

أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )

الفصل الأوّل في إثبات القوى النفسانية التي شرعت في تفصيلها من رام وصف شيء من الأشياء قبل أن يتقدم فيثبت أولا إنيته ، فهو معدود عند الحكماء ممن زاغ عن محجة الإيضاح ؛ فواجب علينا أن نتجرد أولا لإثبات وجود القوى النفسانية قبل الشروع في تحديد كل واحدة منها ، وإيضاح القول فيه . ولما كانت أخص الخواص بالقوى النفسانية شيئين : أحدهما التحريك ، والثاني الإدراك ، فواجب علينا أن نبين أن لكل جسم متحرك علة محركة ؛ ثم يتبين لنا من ذلك أن الأجسام المتحركة بحركات زائدة على الحركات الطبيعية كالهابطة الثقيلة ، والصاعدة الخفيفة ، لها علل محركة نسميها نفوسا أو قوى نفسانية ، وأن نبين أن بعض الأجسام مهما رسم بأنه مدرك ، فإن إدراكه لن تصح نسبته إليه إلا لقوى فيه متمكنة من الإدراك . ونفتتح ونقول : إن مما لا يصادف العقل فيه ريبة أن الأشياء منها ما اشتركت في شيء وافترقت في آخر ، وأن المشترك فيه غير المفترق ؛ ويصادف كافة الأجسام مشتركة في أنها أجسام ؛ ثم يصادفها بعد ذلك مفترقة في أنها متحركة وإلا لا وجود لذات السكون بل لا حركة إلا على بعد مستدير ، إذا الحركات المستقيمة قد تقرر من صورتها أنها لن تنفذ إلا عن وقفات وإلى وقفات . فبيّن أنّ الأجسام لن توصف بالحركة لأنها أجسام ، بل لعلل زائدة على جسميتها منها تصدر حركاتها صدور الأثر عن المؤثر . وإذ قد تبين لنا هذا فنقول : إنّا وجدنا من الأجسام المتولدة عن العناصر الأربعة ما يتحرك لا بالقسر ضربين من الحركة بينهما خلاف ما ، أحدهما يلزم عنصره لاستيلاء قوة أحد الأركان عليه ، واقتضائها