محمد بن زكريا الرازي

71

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

ولا في هذه الحال فما كان الصواب إلّا الإمساك قبل التملّى لتريح النفس ممّا أنت فيه الآن من الثقل « 2 » والتمدّد بالتملّى ، وما لا تأمن أن تصير إليه من سوء الهضم الذي يجلب عليك من الأمراض ما يكون تألّمك به أكثر من التذاذك بما تناولته أضعافا كثيرة . فرأيته قد فهم معنى هذا الكلام وبجّع فيه وبلغ إليه . ولعمري إنّ هذا الكلام ونحوه يقنع من لم يكن مرتاضا برياضات الفلسفة أكثر ممّا تقنع الحجج المبنيّة على الأصول الفلسفيّة . وذلك « 6 » « 7 » أنّ المعتقد أنّ النفس الشهوانيّة إنما قرنت إلى الناطقة لتنال هذا الجسد - الذي هو للنفس الناطقة بمنزلة أداة وآلة - ما يبقى به مدّة اكتساب النفس الناطقة المعرفة « 8 » بهذا العالم ، يقمع النفس الشهوانيّة ويمنعها من الإصابة من الغذاء فوق الكفاف ، إذ كان يرى أنّ الغرض والقصد بالاغتذاء « 10 » في الخلقة ليس للالتذاذ بل للبقاء الذي لا يمكن أن « 11 » يكون إلّا به . وذلك كما حكى عن بعض الفلاسفة أنه كان يأكل مع بعض الأحداث ممّن لا رياضة له ، فاستقلّ ذلك الحدث « 12 » أكل الفيلسوف « 13 » وجعل يتعجّب منه ، - وقال له في بعض كلامه لو كان زردى من الغذاء مثل زردك لم أبال أن لا أعيش . فقال له الفيلسوف أجل يا بنىّ ، أنا آكل لأبقى وأنت إنما تريد أن تبقى لتأكل . وأمّا من لا يرى أنّ عليه من التملّى والاستكثار « 16 » من الغذاء بأسا في مذهبه ورأيه فإنما ينبغي أن يدفع عن ذلك بالكلام في الموازنة للذّة المصابة من ذلك بالألم المعقب لها كما ذكرنا قبيل . ونقول أيضا : إنه إذا كان انقطاع الطعم المستلذّ عن المتطعّم ممّا لا بدّ

--> ( 2 ) من العقل ل - ( 6 - 7 ) وذلك . . . الشهوانية : ولعمري ان النفس الشهوانية ق ف - قرنت إلى النفس الناطقة ق ف - ( 8 ) المعترفة بهذا العلم ق ، المعروفة بهذا العلم ف - ( 10 ) بالاغتذاء ، صححنا : للاغتذاء ل ، الاغتذاء ق ف - ليس للملتذ ق ف - ( 11 ) أن يكون شيئا إلّا به ق ف - ولذلك يحكى عن بعض ق ف - ( 12 ) الحدث : سقط ل - ( 13 ) ذلك الفيلسفوف ل - له : سقط ق ف - ( 16 ) والاستكثار : سقط ق ف - أن يدفع ذلك ق ف