محمد بن زكريا الرازي

60

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

كان من هذا العارض عن الهوى « 1 » « 2 » فقط ، وهو الذي إذا سئل صاحبه عن السبب والعلّة في إمساكه لم يجد في ذلك حجّة بيّنة مقبولة تنبئ عن عذر واضح ، لكن يكون جوابه ملزّقا مرقّعا ملجلجا مثبّجا . « 3 » وقد سألت مرّة رجلا من الممسكين عن السبب الداعي له إلى ذلك ، فأجابني « 4 » بأجوبة من نحو ما ذكرت . وجعلت أبيّن له فسادها وأنه ليس ممّا اعتلّ به شئ يوجب مقدار ما كان عليه من الإمساك . وذلك أنّى لم أسمه أن يجود « 6 » من ماله بما يبين عليه فضلا عمّا يجحف به أو يحطّه عن مرتبته في غناه ، فكان آخر جوابه أن قال هكذا « 7 » أحبّ - وكذا أشتهي . فأعلمته حينئذ أنه قد حاد « 8 » عن حكم العقل إلى الهوى ، إذ كان ما يعتلّ به ليس بقادح في الحالة العاجلة التي هو عليها ولا في الحزم والوثيقة والنظر في العاقبة . « * » فهذا المقدار من هذا العارض « 10 » هو الذي ينبغي أن يصلح ولا يقارّ

--> ( 1 - 2 ) عن العلة والسبب ق ف - ( 3 ) مثبجا : سقط ق ف - ( 4 ) فأجابني إلى ذلك بأجوبة ق ف - ( 6 ) أن يجود عن رتبة غناه من ماله ق ف - بما تبين عنه ق ف - فضلا عن أن يحجب به عن رتبة غناه ق ف - ( 7 ) وهكذى اشتهى ق ف - ( 8 ) قد جاز عن ق ف - ( 10 ) وهذا ل - من العارض ق ف - أن يصلح أن لا يفارق الهوى وهو ق ف ( * ) وردت هذه الجملة ( حتى « ولا عجزا » ص 61 س 2 ) فيما اقتبسه الكرماني من قول الرازي في هذا الفصل . وقال الكرماني ردّا على كلام الرازي : منها قسمته البخل إلى ما منه من أحكام الهوى وإلى ما منه من أحكام العقل ، وذلك محال . فانّ تضبط النفس بمالها والبخل به والشحّ عليه ليس إلّا لما يوجبه هواها من التموّل وطلب الاستكثار لبدنها وجسمها ، كتموّل الفأر والنمل والخفاش وأمثالها ، لا لذاتها . ومنها تصوّره أنّ ما تتضبط به النفس للحوادث والأمن من الفقر والنكبات هو الذي يوجبه العقل لعود المنفعة على الذات ، وذلك محال باطل . فانّ من المعلوم أنّ المدخر للنكبات والمحن إنما تدخره النفس لدفع بلية وعلة من جسدها لا لدفع بلايا وأعلال نفسانية عنها ، وأنه لو كان ما كان لدفع ما يدفع عن الذات من علة نفسانية لكانت لا تدخر ولكانت تعطى وتنفق في وجوه البرّ والمصالح الدينية العائد نفعها على الذات ، ولا تخاف الفقر كما لا يخاف ذو ديانة واعتقاد إلهي الموت ولا الفقر ولا يبالي بما يصيب جسده من مكروه ، كسقراط وفيثاغورس وأمثالهما في زهدهما من القدماء ، وكعلى بن أبي طالب وصىّ نبيّ ربّ العالمين صلوات اللّه عليه الذي كان في صومه محتاجا إلى ما يفطر عليه ، فكان له ولمن في داره أقراص أربعة ليفطر عليها ، فجاءه المسكين واليتيم وتعرّضا للسؤال بباب داره فدفع الكل إليهما ولم يبال بجوعه وجوع من في داره طلبا لإصلاح ذاته بالإفاضة والإنعام والصدقة والبذل ، وأبى ذرّ الغفارىّ الذي لا يبيت معه في داره ما يفضل عنه لقلة مبالاته بالفقر ثم بالموت ، وأمثالهما من المتأخرين . وكيف يكون من البخل ما يكون محمودا ولا يوصف به ملك مقرّب ولا نبىّ مرسل ولا وصىّ مفضل ولا إمام موكل ولا عالم مكمل ؟ كلا ومنها تفويضه الأمر فيما وكله إلى النفس من مقاومة هواها في ذلك إلى كفايتها بذاتها ، وهل المتضبط بالقنيات والشاحّ بها إلّا ذات النفس التي لا تهوى ولا تختار إلا ذلك طلبا لاستدامة الذات والبقاء الطبيعىّ ؟