محمد بن زكريا الرازي

45

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

وقد بقي علينا من حجاج القوم شئ لم نقل فيه قولا « 1 » ، وهو احتجاجهم لتحسين العشق بالأنبياء « 2 » وما بلوا به منه . فنقول : إنه ليس من أحد يستجيز أن يعدّ العشق منقبة من مناقب الأنبياء « 3 » ولا فضيلة من فضائلهم ولا أنه شئ آثروه واستحسنوه ، بل إنما يعدّ هفوة وزلّة من هفواتهم وزلّاتهم . وإذا كان ذلك كذلك فليس لتحسينه وتزيينه ومدحه وترويجه بهم « 5 » وجه بتّة ، لأنه إنما ينبغي لنا أن نحثّ أنفسنا ونبعثها من أفعال الرجال الفاضلين على ما رضوه لأنفسهم واستحسنوه لها وأحبّوا أن يقتدى بهم فيه ، لا على هفواتهم « 8 » وزلّاتهم وما تابوا منه وندموا عليه وودّوا أن لا يكون ذلك جرى عليهم وكان منهم . « * » فأمّا قولهم إنّ العشق يدعو إلى النظافة واللباقة والهيئة والزينة ، فما يصنع بجمال الجسد « 10 » مع قبح النفس ، وهل يحتاج إلى الجمال الجسدانىّ ويجتهد فيه إلّا النساء وذوو الخنث من الرجال ؟ ويقال إنّ رجلا دعا بعض الحكماء إلى منزله ، وكان كل شئ له من آلة المنزل على غاية السرو « 12 » والحسن ، وكان الرجل في نفسه على غاية الجهل والبله والفدامة . ويقال إنّ ذلك الحكيم « 13 » تأمّل كل شئ في منزله ثم إنه بصق على الرجل نفسه . فلمّا استشاط « 14 » وغضب من ذلك قال له لا تغضب ، فإنىّ تأمّلت جميع ما في منزلك وتفقّدته فلم أر فيه أسمج « 15 » ولا أرذل من نفسك ، فجعلتها موضعا للبصاق باستحقاق منها لذلك . ويقال إنّ ذلك الرجل بعد ذلك استخف « 17 » بما كان فيه وحرص على العلم والنظر

--> ( 1 ) قولا : سقط ل - ( 2 ) الأنبياء عليهم السلام ل - ( 3 ) الأنبياء عليهم السلام ق - ( 5 ) بهم فيها ق - ( 8 ) ولا على زلاتهم ق - ( 10 ) الجسدي ك - ويجتهد فيه : سقط ق - ( 12 ) السرور ك ، الشرف ق - ( 13 ) الحكيم أراد أن يبصق وتأمل كل ما في المنزل فلم ير أقبح من صاحب المنزل فبصق عليه ق - ( 14 ) فاستشاط الرجل ل - فقال له ل - ( 15 ) شيئا أسمج ل - ( 17 ) استخف بعد ذلك ك ، بعد تلك الحال اتعظ ق - بما كان فيه : سقط ق - على طلب العلوم والنظر ل ( * ) استأنفت هاهنا رواية ك بعد حذف أكثر الفصل الخامس من الكتاب ( راجع ص 37 )