محمد بن زكريا الرازي

مقدمة 5

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

مقدمة الناشر تتجلى أعمق معاني الوجود الإنساني ، في كونه وجودا متجذرا ، في الهوية والاختلاف ، ولئن كانت هويتنا العربية تنزع الآن نحو التشكّل والتكون ، انطلاقا مما يعوّل عليه علميا وكونيا ، في تراثنا ، إلا أن فهمنا لهذه الهوية ليس تاما ، لأن قدرة الذهنية العربية على تمثل إنجازاتها " التاريخية الكبرى " في الوقت الحاضر غير كافية لإظهار وتبيان تعقّد سيرورات الماضي الفكرية سواء ، في بلاد الشام أو العراق أو مصر أو المغرب العربي ، وذلك عائد إلى أن أدوات تفسير حقيقة التراث العربي مستفادة بشكل أكيد ، من العقل الأوروبي . ويدل على هذا أن مناهج البحث ، التي يتم تسليطها على التراث العالمي بعامة من حيث هي ، مناهج تاريخية أو فيلولوجية أو أركيولوجية أو حتى إبستمولوجية وجينالوجية وهرمنيوطيقية تجد أساسها الأصيل في صدورها عن مفكرين أوروبيين . ولكن من المهم جدا الانتباه إلى أن تشابك الظروف والعوامل والقسر الناجم عن صروف الدهر وتحولات التاريخ أمور ساهمت في جعل تاريخ الفكر العربي غامضا إلى أبعد الدرجات ومجهولا من قبل أبنائه أنفسهم . وإنه ليكاد المرء يصاب بالقشعريرة عندما سوف يتيقّن من أن أعظم نواحي ثقافتنا قام بتقديمها لنا رجال غرباء عن لغتنا وأرضنا ، لكن أصالة هؤلاء الرجال حولت ما هو غريب فيهم إلى ما يمكن أن يعد بالنسبة لنا أكثر الأشياء أنسا . ونقصد بهولاء الرجال جمعا من المستشرقين الأفاضل الأكابر الذين أغنوا الوعي العربي ، بأعمال خالدة ، على مر الأعصار . فالمفارقة تكمن إذن في كون المثقف العربي حاصلا على أعمق أدوات تفكيره من الغربيين وبالمقابل يريد أن يتحرر من هذه الأدوات ، ولكن بواسطة هذه الأدوات نفسها . دع أنه إذا حاول العودة إلى التراث ليجد الملاذ الأمين فيه سوف يصطدم بحقيقة باقية ، حقيقة أن من أخرج هذا التراث إلى حيّز النور هم أناس قد أتوا من حضارات أخرى ولغات أخرى . فعلى سبيل المثال لا نجد في تاريخ الثقافة العربية باحثا استطاع أن يدرس النحو