محمد بن زكريا الرازي

22

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

للألم من بعد ومانعا من اللذّة ما هو أضعاف لما تقدّم منها . وذلك أنهما لا يريان إلّا حالتهما في الذي هما فيه « 2 » لا غير ، وليس بهما إلّا اطّراح الألم المؤذى عنهما وقتهما « 3 » ذلك ، كإيثار الطفل الرمد حكّ عينه وأكل التمر واللعب في الشمس . ومن أجل ذلك يحقّ على العاقل أن يردعهما ويقمعهما ولا يطلقهما إلّا بعد التثبّت والنظر فيما يعقبانه ويمثّل ذلك ويزنه ثم يتبع الأرجح لئلّا يألم من حيث ظنّ « 6 » أنه يلتذّ ويخسر من حيث ظنّ أنه يربح . فإن دخلت عليه من هذا التمثيل والموازنة شبهة لم يطلق الشهوة لكن يقيم على ردعها ومنعها . وذلك أنه لا يأمن أن يكون « 8 » في إطلاقها من سوء العاقبة ما يكون إيلامه واحتمال مؤونته أكثر من احتمال مؤونة الصبر على قمعها أضعافا مضاعفة ، فالحزم إذا في منعها . وإن تكافأت « 10 » عنده المؤونتان أقام أيضا على ردعها ، وذلك أنّ المرارة المتجرّعة أهون وأيسر من المنتظرة التي لا بدّ من تجرّعها على الأمر « 11 » الأكثر . وليس يكتفى بهذا فقط بل قد « 12 » ينبغي أن يقمع هواه في كثير من الأحوال - وإن لم ير لذلك عاقبة مكروهة - ليمرّن نفسه ويروضها على احتمال ذلك واعتياده فيكون ذلك عليها عند العواقب الرديّة « 14 » أسهل ، ولئلا تتمكن الشهوات منه وتتسلّط عليه . فإنّ لها من التمكّن في نفس الطبيعة والجبّلة ما لا يحتاج أن يزاد فضل « 15 » تمكّن بالعادة أيضا فيصير بحال لا يمكن مقاومتها بتّة « 16 » « * » . وينبغي أن تعلم أن المؤثرين للشهوات المدمنين لها المنهمكين فيها يصيرون « 17 » منها إلى حالة لا يلتذّونها ولا يستطيعون مع ذلك

--> ( 2 ) في وقتهما الذي هما فيه ك - ( 3 ) وقتهما ذلك : سقط ف ق - الرمد : سقط ف ق - لحك عينيه ك ، يحك عينه الرمدة ف ق - التمرة ف ق - ( 6 ) يظن ف ق ك ( مرتين ) - ولا يخسر ك - ( 8 ) من أن يكون ف - ( 10 ) تكافت ف ق - ( 11 ) في الأمر ل - ( 12 ) قد : سقط ك - أحواله ل - ( 14 ) عندما يرى له فيها من العواقب الردية ف ق - ( 15 ) أن يرى فضل ف ق - ( 16 ) البتة ك - المدمنين عليها المتمكنين فيها ف ق - ( 17 ) يصيرون فيها ف ق ( * ) انتهت إلى هنا رواية الكرماني ويوجد في إثرها ما يلي : هذا فص قوله ، وما يعدو ما يكون صحيحا وحسنا من قول لولا نداؤه ببطلان كون ما أوجبه من الطب طبا وباستمرار الخطأ في تعليق قمع الهوى بالنفس وإيجاب اكتفائها فيه اكتسابا للفضيلة بذاتها . . . إنه لما كانت النفس قد جعلت لجسمها كمالا به يكون نوعا من الحيوان وكان كونها في وجودها لجسمها كمالا لأن تكون في فعلها دائرة عليه كأخواتها من أنواع الحيوان حفظا له وقياما بمصلحته . . . كان الامتناع منها أن تفعل ما يضاد هواها ويوجبه اختيارها قائما وبطلان وجود فعل منها لا تهواه ثابتا . . . فتعليق قمع النفس هواها بذاتها الممتنع كونه منها إلا بباعث من خارجها ترغيبا وترهيبا خطأ كبير وضلال بعيد . وإذا كان قوله في الطب الروحاني باطلا والخطأ في تعليق قمع الهوى بالنفس مستمرا جاريا فكلامه الذي أورده ليس بطب ولا كتابه بمرتع للنفس ولا بأبّ ، وله قلنا إنه في الطب الجسماني كغصن مائس خضر وفي طبه الروحاني كجلد خائس قذر . - وأما بقية فصل الكتاب إلى ص 24 س 3 ( « وهذا يراه » ) فقد لخصه الكرماني دون إيراده بنصه .