محمد بن زكريا الرازي
مقدمة 13
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )
بعد ذلك نجد أن فكرة النفس الكلية تصل إلى الأفلاطونية المحدثة فأفلوطين ( 205 - 270 م ) الفيلسوف المصري يتحدث عن الأول ( - اللّه ) الذي صدر عنه العقل ( - النوس ) وثمّ تصدر النفس . وفي النفس توجد الكثرة وبها تتحقق المحسوسات لأنه في عالم النفس يبدأ التوجه نحو تشكيل المحسوسات . فالنفس تقع بين العالم المعقول الذي هو عالم اللّه والعقل وبين العالم المحسوس . وبالجملة ، يمكن القول : إن النفس هي أساس التكثّر الحسي " . « 12 » وهذا الثالوث الخطير " اللّه - العقل - النفس " سوف يؤثر تأثيرا كبيرا على الدين الإسلامي وسوف يتكوّن من خلال مزجه بالقرآن واتّباع مبدأ التشخيص ، ما يعرف بالإسلام الباطني . لكن ما يعنينا ها هنا هو أن أبا بكر الرازي قد آمن بأن النفس الكلية قد فضّت مكنونها في الطبيعة ، وهذا الانفضاض أزلي من حيث معناه ، وبالتالي يكمن في الطبيعة بعد أزلي أكيد . وها هنا تتجلى أزلية الهيولى بالمساوقة مع أزلية الطبيعة التي تتألف من العناصر الأربعة التي هي الأسطقسات . وأسطقس " هو لفظ يوناني بمعنى الأصل وتسمى العناصر الأربعة التي هي الماء والأرض والهواء والنار أسطقسات لأنها هي الحيوانات والنباتات والمعادن " « 13 » وتترتب على العناصر الأربعة كيفياتها وهي : الحرارة ، البرودة ، اليبس ، الرطوبة ، وهي تعرف بالطبائع . و ( " الحرارة - هي علة جمع الأشياء من جوهر واحد وتفريق من جوهر واحد " . و " اليبس - علة سهولة انحصار الشيء بذاته وعسر انحصاره بذات غيره " . و " الرطوبة - علة سهولة اتحاد الشيء بذات غيره وعسر انحصاره بذاته " ) . « 14 » وتجدر الملاحظة بما أن أزلية الطبيعة تبع لأزلية الهيولى التي هي بدورها تبع لأزلية النفس فإن هذا يفضي إلى أزلية كل من المكان والزمان . ويخالف أبو بكر الرازي أرسطو في فكرة أساسية وهي أن الخلاء ممكن . فالمعلّم الأول ( - العالم الأول ) كان قد ذهب إلى أن الخلاء غير موجود وذلك عائد إلى أن حركة
--> ( 12 ) - للاستزادة حول الفلسفة الأفلاطونية المحدثة راجع أفلوطين : " التساعات " ترجمة فريد جبر . لبنان ناشرون - بيروت . ( 13 ) - التهانوي : " كشّاف اصطلاحات الفنون " الجزء الأول ، طبعة بيروت ( د . ت ) مادة اسطقس . ( 14 ) - الكندي : " رسالة في حدود الأشياء ورسومها " ضمن رسائل الكندي الفلسفية . تحقيق عبد الهادي أبو ريدة . القاهرة : 1950 : ص 171 .