السيد محمد محسن الطهراني

244

أسرار الملكوت

استنباط الفقيه ، وهي التي تقتضي وجود مثل هذا الاختلاف . وهذا هو سرّ بقاء الفقه الجعفري واستمراره وتطوّره ، حيث لا يعتبر الفقيه نفسه مقيّداً بأيّ قيد أو محدوداً بأيّ حدّ في مقام استنباط الأحكام الإلهيّة من مصادر الوحي ، ولا يرى أيّ دخل أو تأثير لغير هذه المصادر في ترتيب مقدّمات القياس ومبادئ الاجتهاد . فالمهمّ عند الفقيه هو كلام الإمام الصادق عليه السلام وسائر الأئمّة ، وهو كلام خالد وقول باق إلى يوم القيامة ، دون أن يعير أهميّة لكلام أيّ شخص آخر غير الإمام ، ويرى الخلود والقداسة مختصّة بخصوص منابع الوحي صلوات الله عليهم أجمعين دون غيرهم ، مهما وصل بهم المقام . نعم يمكن لهذا الفقيه في مقام الإفتاء والاستنباط أن يقترب من صميم الشرع وأصله عبر سلوكه مسلكاً متحرّراً غير منطلق من أيّ خلفيّة أخرى أو مسلّمة قبليّة ، ودون أن يفكّر بمراعاة أحد أو بمصلحة دنيويّة أو يلحظ زخارف عالم الكثرة واعتباراته أو يقصد الرئاسة فيه ، فيتصدّى لبيان الأحكام من خلال استمداد العون من النفحات القدسيّة لأصحاب الولاية الإلهيّة الكبرى . إنّ الاختلاف بين هاتين الطائفتين في قبول مقام الإمامة إنّما هو في شمول الولاية لجميع الأمور الماديّة والمعنوية الدنيويّة والأخرويّة ، والتصدّي لزمام الحكومة الظاهريّة والباطنيّة ، وتولي التربية الجسميّة والنفسيّة ، وإيصال الآخرين إلى أقصى مراتب الفعليّة ومنتهى القرب من حرم الحقّ تعالى والدخول إلى دار الاطمئنان والطمأنينة والقرار ، لا في مجرّد بيان الأحكام الظاهريّة فقط وبطبيعة الحال فإنّ بيان الأحكام الظاهريّة أيضاً وتنجيزها منحصر بمقام الولاية دون غيره ولازم هذا الكلام إدراك الموقعيّة الحقيقيّة للإمام عليه السلام وفهم استعدادات الإمام وإمكاناته وخصوصيّاته وصفاته وملكاته وكيفية إجراء المشيئة الإلهيّة في عالم الوجود