السيد محمد محسن الطهراني

229

أسرار الملكوت

للشرع ومصرّحاً بالنهيّ عنه في الأديان الإلهيّة ، فإنّ مجرّد الأمر الإلهي المتوجّه إلى إبراهيم لا يقتصر فقط على رفع الحرمة والعقوبة والمفاسد النفس الأمريّة المترتّبة على هذا الفعل ، بل إنّ امتثال هذا الأمر والعمل بمقتضاه موجب للقرب والارتقاء إلى مراتب الكمال العالية وموجب أيضاً لتجلّي حقيقة الإمامة والولاية في نفسه كما عبّر القرآن بذلك ، فالحجّة على امتثال الأمر والقيام بالفعل قائمة بالنسبة لإبراهيم عليه السلام ، لكن ماذا بالنسبة لإسماعيل عليه السلام ؟ فمن جهة لم يشاهد إسماعيل في الرؤيا أن الله قد أمر أباه بأن يقدّمه قرباناً ، ومن جهة أخرى يُعتبر قتل النفس وإلقاؤها في الهلكة حراماً شرعاً ، أو فقل إنّ إيقاع النفس في الهلكة قبيح عقلًا ومحرّم شرعاً وعرفاً ، إذن فلماذا قبِل إسماعيل كلام أبيه وأخذ برأيه وحثّ والده من صميم قلبه على تحقيق ما أُمر به ؟ هذا ليس إلّا نتيجة اعتماده ووثوقه بكلام أبيه واعتبار هذا الأمر صادراً عن الله تعالى ، وأنّ أباه مسلوب الاختيار والإرادة في تنفيذه أو عدم تنفيذه ، وأنّ أساس هذا الحكم هو الإنشاء الإلهي وامتثال أمره ، فاعتبر أن إبراهيم واسطة في إجراء هذا الحكم الإلهي وعاملًا في الإتيان به ، وإلّا فليس هناك أيّ قاعدة أو قانون يلزم بقبول مثل هذا الموضوع من قبل شخص اتجاه شخص آخر مهما كان ذاك الشخص حتى لو فرض أنّ مرجعاً حكم على شخص أن يقتل نفسه أو على مجموعة من الناس أن يُهلكوا أنفسهم ، فيحرم على هؤلاء الناس أن ينفّذوا حكم ذاك الفقيه . فحكم النبي إبراهيم في وَلده لم يكن حكمه بل كان حكم الله تعالى ومن قِبَله ، وإبراهيم كان مجرّد واسطة ومرآة وعامل في تنفيذ الحكم ، ولم يكن لديه أيّ شيء من تلقاء نفسه ، وليس لديه أمر ولا نهي ولا أيّ شيء آخر سوى كونه مجرياً للحكم .