السيد محمد محسن الطهراني

207

أسرار الملكوت

من بعثة الأنبياء ؛ في حال غفلة الأمم السابقة ، قد انتشرت الفتنة بين ظهرانيهم ؛ فزمام أمورهم مشتّتة ونار الحروب مستعرة على امتداد حياتهم ومعيشتهم ، قد انقلب نور الهداية في الدنيا والبصيرة لديهم إلى الظلمة ، وخيّم شبح الغرور والأنانيّة مكان عالم الصفاء والطهارة وحياة الأنس والوحدة . لقد بُعث نبي الإسلام بالرسالة في زمن لم يعد هناك أثر لأيّ نشاط وانبساط في حياة الناس ، ويبست شجرة النور التي كانت تضيء المجتمع ، واصفرّت أوراقها الخضراء الناضرة وتساقطت بفعل الريح المسموم الذي عصف بها ، ولم يبقَ أمل في إيراق أيّ من أوراقها ، أو في تفتّح أيّ برعم فيها والوصول إلى ثمارها المعنويّة والتكامل الاجتماعي المنشود منها ، وقد غارت ماء الحياة وارتحلت عن المجتمع وسائل السعادة وانسدّ الطريق أمام الوصول إلى الرقيّ والكمال ، ولم يعد يصل أيّ خبر عن منبع النور والهداية ، وصارت تعصف بالمجتمع حالة من الجهل والظلام والبعد عن المعنويّات وسجايا الأخلاق والقيم الإنسانيّة ، وحلّت شعائر الرذيلة والانحطاط والملكات القبيحة محلّ القيم والأخلاق والمقدّسات والتعاون والودّ والاتّحاد ، وقادت المجتمع نحوها بصورتها السيّئة وأظهرت نفسها بصورة قبيحة جدّاً في وجوه طالبي الدنيا والباحثين عن لذاّتها . ونتيجة لهذه الأوضاع والأحوال وانقلاب القيم والملكات الإنسانيّة ، فقد ظهرت الفتنة وانتشر الفساد وساد الاضطراب وحل البلاء ، وصار طعامهم الجيفة والميتة ، واستولى الخوف عليهم ونفذت الوحشة إلى قلوبهم ، وصار الحاكم فيهم السيف والدم . فيا عباد الله ! اعتبروا ممّا قد جرى على آبائكم وإخوانكم ! وانظروا إلى عاقبة أعمالهم السيّئة ؛ وكيف تشوّهت في الدنيا سمعتهم وكُرهت سيرتهم ،