السيد محمد محسن الطهراني

156

أسرار الملكوت

خَفِيًّا * [ 1 ] إلى أن وصل إلى قوله : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً [ 2 ] . في هذا الوقت جرت دموع النجاشي وجميع العلماء وحاضري المجلس ، وبدأ بالبكاء بصوت عال وقال : والله ! إنّ ما أنزل الله تعالى على نبيّكم هو الحقّ . وعاملَ جعفر وأصحابه بمنتهى الاحترام ، وأعلن شهادة التوحيد لله والنبّوة للنبي محمّد واعتقد بصحة الدين الإسلامي ، وقال لجعفر : إنّي أشهد أنّ هذا النبيّ هو الذي وعد المسيح بظهوره وبرسالته في الإنجيل ، ولو كنت في الحجاز لكنت أخدمه كالعبيد . فاذْهب وعشْ في مملكتي بكمال العزّة والأمان . وأعاد وفد المشركين مع هداياهم وتحفهم إلى بلادهم خائبين . نرى في هذه الحكاية تصرّفين متفاوتين تماماً . التصرّف الأوّل : هو تبليغ جعفر الطيّار للرسالة ببيان فصيح ومنطق بليغ وكلام حكيم عقلائي وصراحة في اللهجة وحريّة في الكلام والتصرّف ، مع تمام الطمأنينة والسكون والوقار ، ومراعاة المراتب العالية من الأخلاق الحسنة والسلوك الرفيع . والتصرّف الثاني : هو المكر والخديعة والكذب والافتراء والبهتان والتزوير وقول الزور . لكن في النهاية يستجيب ملك الحبشة بفطرته الصافية وعقله السليم ، لنداء الوجدان وصرخة العقل حين مقارنته بين هذين السلوكين المتقابلين تماماً ، فيُحرّر نفسه من جميع قيود الاعتبارات والمجازات والتخيّلات ،

--> [ 1 ] سورة مريم ، الآيات 3 1 . [ 2 ] سورة مريم ، الآية 25 ، وجزء من الآية 26 .