السيد محمد محسن الطهراني
154
أسرار الملكوت
للنجاشي : أيّها السلطان ! اسألهم : هل نحن عبيد أرقّاء لهم فررنا منهم ؟ أو أنّنا سرقنا أموالهم ؟ أو أنّنا قتلنا منهم أحداً فهم يطالبونا بدية أو قصاص ؟ فقال عمرو بن العاص : لا ! لستم كذلك ، فأنتم قوم أحرار ومحترمون ، قال جعفر : إذاً ماذا تريدون منّا ؟ فأنتم الذين آذيتمونا وقسوتم علينا لأجل اتّباعنا طريق الحقّ حتّى تركنا وطننا ولجأنا إلى هذا المكان . فقال عمرو بن العاص : أيّها الملك ! هؤلاء يشتمون آلهتنا ، ويحرّضون الناس للخروج عن ديننا وملّتنا ، ويضلّون شبابنا ويفرّقون فيما بيننا . فقال جعفر : صحيح أنّنا خالفنا دين هؤلاء ، وتركنا ما هم عليه ، لأنّ الله المتعال منّ علينا بأن أرسل فينا رسولًا منّا حتّى يثنينا عن عبادة الأحجار والأخشاب ، وينهانا عن الشرك والأعمال الباطلة وخرافات الجاهلية ، ويمنعنا عن اقتراف الزنا والربا وأكل الميتة والدم ، وأمرنا أن نجتنب الشرك والظلم والاعتداء على الآخرين ، ورغّبنا في أداء الصلاة وإيتاء الزكاة والعدل والصدق والإحسان إلى الضعفاء وصلة الأرحام . لهذا السبب تركنا ملّة الجاهليّة والبربريّة ، وتوجهنا نحو الحرّية والشرف واستكمال الفضائل الإنسانيّة العالية المنضوية تحت ظلّ العبوديّة للذات الإلهيّة المقدّسة . لقد أثّرت لهجة جعفر الطيّار الصريحة وبياناته المتقنة المنبعثة من روح آيات الكتاب المبين والمقتبسة من عبارات القرآن الكريم في النجاشي ، فغرق في بحر من التفكير حتى شوهِدت على وجناته آثار البهجة والسرور . وعندما شعر عمرو بن العاص أنّ موقعيّته في خطر ، فكّر في حيلة وتوسّل بالمكر والخداع ؛ فبدلًا من قبول الحقّ والإذعان للمنطق ، اعتمد طريق الحيلة والمغالطة فقال للنجاشي : أيّها الملك ! عندما دخل هؤلاء عليك لم يسجدوا لك ولم يحفظوا حرمتك . عندها علت أصوات المحيطين بالملك وقالوا لجعفر وأصحابه : عليكم أن تسجدوا للملك ! فأجاب جعفر