ابن أبي العز الحنفي

94

شرح العقيدة الطحاوية

وقال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ النحل : 43 ، 44 . [ وقال تعالى : قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ آل عمران : 183 . ] وقال تعالى : فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ آل عمران : 184 . وقال تعالى : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ الشورى : 17 . حتى أن من أخفى آيات الرسل آيات هود ، حتى قال له قومه : يا هود ما جئتنا ببينة ، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفّقه اللّه لتدبرها ، وقد أشار إليه بقوله : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هود : 54 - 56 . فهذا من أعظم الآيات : أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب ، غير جزع ولا فزع ولا خوّار ، بل هو واثق بما قاله ، جازم به ، فأشهد اللّه أولا على براءته من دينهم وما هم عليه ، اشهاد واثق به معتمد عليه ، معلم لقومه أنه وليه وناصره وغير مسلّط لهم عليه . ثم أشهدهم اشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون عليها ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها ، ثم أكد ذلك عليهم بالاستهانة لهم واحتقارهم وازدرائهم . ولو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ، ثم يعاجلونه ولا يمهلونه [ لم يقدروا على ذلك الا ما كتبه اللّه عليه ] . ثم قرر دعوتهم أحسن تقرير ، وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده ، وأنه على صراط مستقيم ، فلا يخذل من توكل عليه وأقر به ، ولا يشمت به أعداءه . فأي آية وبرهان أحسن من آيات الأنبياء عليهم السلام وبراهينهم وأدلتهم ؟ وهي شهادة من اللّه سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان . ومن أسمائه تعالى « المؤمن » وهو في أحد التفسيرين : المصدق الذي يصدق الصادقين مما يقيم لهم من شواهد صدقهم ، فإنه لا بد أن يري العباد من الآيات الافقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلّغه رسله حق [ قال ] تعالى :