ابن أبي العز الحنفي
84
شرح العقيدة الطحاوية
رواية « يولد على الملّة » وفي أخرى : « على هذه الملّة » . وهذا الذي أخبر به صلى اللّه عليه وسلّم هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه . منها ؛ أن يقال : لا ريب أن الانسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقا ، وتارة ما يكون باطلا ، وهو حساس متحرك بالارادات « 241 » ، ولا بد له من أحدهما ، ولا بد له من مرجح لأحدهما . ونعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق وينتفع وأن يكذّب ويتضرر ، مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع ، وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع الايمان به هو الحق أو نقيضه ، والثاني فاسد قطعا ، فتعين الأول ، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والايمان به . وبعد ذلك : أما أن يكون في فطرته [ محبته أنفع للعبد أو لا . والثاني فاسد قطعا ، فوجب أن يكون في فطرته ] محبة ما ينفعه . ومنها : أنه مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسّه . وحينئذ لم تكن فطرة كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك ، بل يحتاج إلى سبب معين للفطرة ، كالتعليم ونحوه ، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضي لذلك . ومنها : أن يقال : من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق ، ومجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة ، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك ، والا فلو علم الجهال والبهائم وحضّضا لم يقبلا . ومعلوم أن حصول اقرارها بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج ، وتكون الذات كافية في ذلك ، فإذا كان المقتضي قائما في النفس وقدّر عدم المعارض ، فالمقتضي السالم عن المعارض يوجب مقتضاه ، فعلم أن الفطرة « 25 » السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها ، كانت مقرة بالصانع عابدة له . ومنها : أن يقال ؛ أنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج ، كانت الفطرة مقتضية للصلاح ، لان المقتضي فيها للعلم والإرادة قائم ، والمانع منتف . ويحكى عن أبي حنيفة رحمه اللّه : أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه في
--> ( 241 ) في الأصل : بالإرادة . ( 25 ) قال عفيفي : انظر الباب الثلاثين من كتاب « شفاء العليل » لابن القيم ، فإنه نقل أقوال العلماء في تفسير الفطرة ، ووفى المقام حقه .