ابن أبي العز الحنفي
55
شرح العقيدة الطحاوية
لأهل السنة والحديث ، وإلا فليعلن براءته منه جملة وتفصيلا ، فإن فعل - وما إخاله - أخذنا بظاهر كلامه ، ووكلنا سريرته إلى ربه سبحانه وتعالى . وبعد هذا كله : أليس لنا أن نتساءل إذا كان أبو غدة بهذا البعد عن أهل السنة والتوحيد تبعا لشيخه الكوثري ، حتى كان يعلن في حلب تكفير القائلين بأن الاستغاثة بغير اللّه كفر ، كما سبق ، فكيف طاب له المقام في البلاد السعودية هذه السنين حتى الآن ، وهو يعلم أنهم هم الذين كان يعنيهم أصالة بتكفيره المذكور ؟ فهل رجع هو عن تكفيرهم وعن القول بجواز الاستغاثة بغير اللّه ، إلى القول الذي كان ينقمه عليهم : إن الاستغاثة كفر . وبذلك حصل الوئام ، فطاب له المقام ؟ فأقول : الجواب في قلب أبي غدة ، ولكن الذي نعلمه عنه هو ما سبق ذكره ، ومن القواعد الأصولية المقررة عند الحنفية وغيرهم قاعدة استصحاب الحال إلا لنص ، ولما كان لا نص لدينا برجوع أبي غدة عن تكفيره المذكور ، فالواجب علينا البقاء على ما نعلمه عنه ، وعلى ذلك فلم يحصل الوئام المزعوم ، لأن السعوديين - وخصوصا أهل العلم منهم - لا يزالون - والحمد للّه - محتفظين بعقيدتهم في التوحيد ، محاربين للشركيات والوثنيات ، التي منها الاستغاثة بغير اللّه تعالى من الأموات ، فكيف إذن طاب له المقام بين ظهرانيهم ؟ الذي أتصور أنه لم يكن بينهم كما يجب أن يكون « المربي الناصح الرشيد » ! يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويبين لهم أن ما أنتم عليه من أمور منكر وضلال ، منها إنكار قولهم : إن الاستغاثة بغير اللّه تعالى كفر ، فإنه لو فعل ، لكان أمر من ثلاثة أمور : إما أن يقنعهم بضلالهم ، بخطبة نارية يلقيها هناك ، كما كان يفعل في بلده ( حلب ) ، وهذا مستحيل . وإما أن يقنعوه هو بضلاله بما عندهم من حجج ناطقة وأدلة قاطعة من كتاب اللّه وسنة رسوله ، وهذا بعيد ! وإما أن تكون الثالثة ولا بد ، وهي . . . إلا أن يشاء اللّه تعالى . ولما كان يعلم بأن النتيجة هو ما أشرنا إليه ، وكان يستحب البقاء بين أظهرهم ،