ابن أبي العز الحنفي
523
شرح العقيدة الطحاوية
ناس ، بعد أن ترك الصلاة أربعين يوما شكّا في ربه ! وكان ذلك لمناظرته قوما من المشركين ، يقال لهم السمنية ، [ من فلاسفة الهند ، الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات ، قالوا له : هذا ربك الذي تعبده ، هل يرى أو يشم أو يذاق أو يلمس ؟ فقال : لا ، فقالوا : هو معدوم ! ! فبقي أربعين يوما لا يعبد شيئا ، ثم لما خلا قلبه من معبود يؤلهه ، نقش الشيطان اعتقادا نحته فكره ، فقال : إنه الوجود المطلق ! ! ونفى جميع الصفات ، واتصل بالجعد . وقد قيل : إن جعدا كان [ قد ] اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حرّان ، وأنه أيضا أخذ شيئا عن بعض اليهود المحرفين لدينهم ، المتصلين بلبيد بن الأعصم ، الساحر الذي سحر النبي صلى اللّه عليه وسلّم . فقتل جهم بخراسان ، قتله سلّم بن أحوز ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس ، وتقلدها بعده المعتزلة . ولكن كان جهم أدخل في التعطيل منهم ، لأنه ينكر الأسماء حقيقة ، وهم لا ينكرون الأسماء بل الصفات . وقد تنازع العلماء في الجهمية : هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم لا ؟ ولهم في ذلك قولان : وممن قال إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة - عبد اللّه بن المبارك ، ويوسف بن أسباط . وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة ، فإنه من إمارة المأمون قووا وكثروا ، فإنه قد أقام بخراسان مدة واجتمع بهم ، ثم كتب بالمحنة من طرسوس « 808 » سنة ثمان عشرة ومائتين وفيها مات ، وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين ، وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم بالكلام ، فلما ردّ عليهم ما احتجوا به عليه ، وبيّن أنه لا حجة لهم في شيء من ذلك ، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم وامتحانهم إياهم - : جهل وظلم ، وأراد المعتصم إطلاقه ، أشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه ، لئلا تنكسر حرمة الخلافة من بعد مرة ! فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة ، وخافوا ، فأطلقوه . وقصته مذكورة في كتب التاريخ . ومما انفرد به جهم : أن الجنة والنار تفنيان ، وأن الإيمان هو المعرفة فقط ، والكفر هو الجهل فقط ، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا للّه وحده ، وأن الناس إنما
--> ( 808 ) في الأصل : طرفلعوس وفي مطبوعة دار المعارف : طرطوس . وكلاهما خطأ لأن المأمون قبر في طرسوس . انظر « معجم البلدان » .