ابن أبي العز الحنفي

519

شرح العقيدة الطحاوية

اللّه ، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا عن غيره من المرسلين ، إذ هو باطل ، وملزوم الباطل باطل ، كما أن لازم الحق حق . وقوله : بين الغلو والتقصير - قال تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ المائدة 77 . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ، وَلا تَعْتَدُوا ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ المائدة : 87 - 88 . وفي « الصحيحين » عن عائشة رضي اللّه عنها : أن ناسا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم سألوا أزواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن عمله في السر ؟ فقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال : « ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا ؟ ! لكني أصوم وأفطر ، وأنام وأقوم ، وآكل اللحم ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » « 804 » . وفي غير « الصحيحين » : « سألوا عن عبادته في السر ، فكأنهم تقالّوها » « 805 » . وذكر في سبب نزول الآية الكريمة : عن ابن جريج ، عن عكرمة أن عثمان بن مظعون ، وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، والمقداد بن الأسود ، وسالما مولى أبي حذيفة ، رضي اللّه عنهم في أصحابه - تبتّلوا ، فجلسوا في البيوت ، واعتزلوا النساء ، ولبسوا المسوح ، وحرّموا طيبات الطعام واللباس ، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل ، وهموا بالاختصاء ، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار ، فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المائدة : 87 ، يقول : لا تسيروا بغير سنة المسلمين ، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس ، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار ، وما هموا به من الاختصاء ، فلما نزلت فيهم ، بعث النبي صلى اللّه عليه وسلّم إليهم ، فقال : « إن لأنفسكم

--> ( 804 ) صحيح ، ولكنه عندهما من حديث أنس ، وليس من حديث عائشة ، وانما لها عندهما حديث آخر بغير هذا السياق ، وفيه قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه ، فو اللّه لأنا أعلمهم باللّه وأشدهم له خشية » وليس فيه « فمن رغب . . . » . ( 805 ) قلت : بل هو عند البخاري في أول « النكاح » في القصة التي قبلها ، دون قوله « في السر » . وهذا عند أحمد ( 3 / 259 ) .