ابن أبي العز الحنفي

461

شرح العقيدة الطحاوية

وقولهم : إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء ؟ قلنا : بل قد تكون إليه حاجة ، من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة ، ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة . وكذلك قولهم : وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه ؟ قلنا : بل فيه فوائد عظيمة ، من جلب منافع ، ودفع مضارّ ، كما نبه عليه النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، بل ما يعجل للعبد ، من معرفته بربه ، وإقراره به ، وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم ، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه ، وما يتبع ذلك من العلوم العلية والأحوال الزكية ، التي هي من أعظم المطالب . فإن قيل : إذا كان إعطاء اللّه معللا بفعل العبد ، كما يفعل من إعطاء المسؤول للسائل ، كان السائل قد أثّر في المسؤول حتى أعطاه ؟ ! قلنا : الرب سبحانه هو الذي حرّك العبد إلى دعائه ، فهذا الخير منه ، وتمامه عليه . كما قال عمر رضي اللّه عنه : « إني لا أحمل همّ الإجابة ، وإنما أحمل همّ الدعاء ، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه . وعلى هذا قوله تعالى : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ألم السجدة : 5 . فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بتدبير [ الأمر ] ، ثم يصعد إليه الأمر الذي دبّره ، فاللّه سبحانه هو الذي يقذف في قلب العبد حركة الدعاء ، ويجعلها سببا للخير الذي يعطيه إياه ، كما في العمل والثواب ، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها ، [ وهو الذي وفّقه للعمل ثم أثابه ] ، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه ، فما أثّر فيه شيء من المخلوقات ، بل هو جعل ما يفعله سببا لما يفعله . قال مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخّير ، أحد أئمة التابعين : نظرت في هذا الأمر ، فوجدت مبدأه من اللّه ، وتمامه على اللّه ، ووجدت ملاك ذلك الدّعاء . وهنا سؤال معروف ، وهو : أن من الناس من قد يسأل اللّه فلا يعطى شيئا ، أو يعطى غير ما سأل ؟ وقد أجيب عنه بأجوبة ، فيها ثلاثة أجوبة محققة - : أحدها : أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقا ، وإنما تضمنت إجابة الداعي ، والداعي أعمّ من السائل ، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ » « 655 » . ففرق بين

--> ( 655 ) صحيح متواتر ، ذكرت بعض طرقه ( ارواء الغليل » ( 450 ) .