ابن أبي العز الحنفي

457

شرح العقيدة الطحاوية

عليه جماعة من أصحاب أبي حنيفة المتأخرين . وانظر إلى فروض الكفايات : كيف قام فيها البعض عن الباقين ؟ ولأن هذا اهداء ثواب ، وليس من باب النيابة ، كما أن الأجير الخاصّ ليس له أن يستنيب عنه ، وله أن يعطي أجرته لمن شاء . « 650 » . وأما استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت ! ! فهذا لم يفعله أحد من السلف ولا أمر به أحد من أئمة الدين ، ولا رخص فيه . والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف . وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ونحوه ، مما فيه منفعة تصل إلى الغير . والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل للّه ، وهذا لم يقع عبادة خالصة ، فلا يكون [ له من ] ثوابه ما يهدى إلى الموتى ! ! ولهذا لم يقل أحد أنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى الميت ، لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ذلك ، كان هذا من جنس الصدقة عنه ، فيجوز . وفي الاختيار : لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره ، فالوصية باطلة ، لأنه في معنى الأجرة ، انتهى . وذكر الزاهدي في « الغنية » : أنه لو وقف على من يقرأ عند قبره ، فالتعيين باطل . وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوّعا بغير أجرة ، فهذا يصل إليه ، كما يصل ثواب الصوم والحج . فإن قيل : هذا لم يكن معروفا في السلف ، ولا أرشدهم إليه النبي صلى اللّه عليه وسلّم ؟ فالجواب : إن كان مورد هذا السؤال معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء ، قيل له : ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن ؟ وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول ، ومن أين لنا هذا النفي العام ؟ فإن قيل : فرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أرشدهم إلى الصوم والحج والصدقة دون القراءة ؟ قيل : هو صلى اللّه عليه وسلّم لم يبتدئهم بذلك ، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم ، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه ، وهذا سأله عن الصوم عنه ، فأذن له فيه ، ولم يمنعهم مما سوى ذلك ، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم - الذي هو مجرد نية وإمساك - وبين وصول ثواب القراءة والذكر ؟ فإن قيل : ما تقولون في الإهداء إلى رسول صلى اللّه عليه وسلّم ؟

--> ( 650 ) في هذا الكلام نظر لا يخفى على المتأمل ، وقد حققت القول في المسألة بما يشرح الصدر ، ويثلج القلب في الفصل المشار إليه أنفا ( ص 454 - 455 ) ، فراجعه فإنه مهم .