ابن أبي العز الحنفي

444

شرح العقيدة الطحاوية

والمراد ، قادر على أن يجعله مختارا بخلاف غيره . ولهذا جاء في ألفاظ الشارع : « الجبل » دون « الجبر » ، كما قال صلى اللّه عليه وسلّم لأشجّ عبد القيس : « إن فيك لخلتين يحبهما اللّه : الحلم والأناة » « 621 » فقال : أخلقين تخلقت بهما ؟ أم خلقين جبلت عليهما ؟ فقال : « بل خلقان جبلت عليهما » فقال : الحمد للّه الذي جبلني على خلقين يحبهما اللّه تعالى « 622 » . واللّه تعالى إنما يعذب عبده على فعله الاختياري . والفرق بين العقاب على الفعل الاختياري وغير الاختياري مستقر في الفطر والعقول . وإذا قيل : خلق الفعل مع العقوبة عليه ظلم ؟ ! كان بمنزلة أن يقال : خلق أكل السم ثم حصول الموت به ظلم ! ! فكما أن هذا سبب للموت ، فهذا سبب للعقوبة ، ولا ظلم فيهما . فالحاصل : أن فعل العبد فعل له حقيقة « 623 » ، ولكنه مخلوق للّه تعالى ، ومفعول للّه تعالى ، ليس هو نفس فعل اللّه . ففرق بين الفعل والمفعول ، والخلق والمخلوق . وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه اللّه بقوله : وأفعال العباد خلق اللّه وكسب من العباد - أثبت للعباد فعلا وكسبا ، وأضاف الخلق للّه تعالى . والكسب : هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر ، كما قال تعالى : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ البقرة : 286 . قوله : ( ولم يكلفهم اللّه تعالى إلا ما يطيقون ، ولا يطيقون إلا ما كلفهم . وهو تفسير « لا حول ولا قوة الا باللّه » ، نقول : لا حيلة لأحد ، [ ولا تحوّل لأحد ] ، ولا حركة لأحد عن معصية اللّه ، الا بمعونة اللّه ، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة اللّه والثبات عليها إلا بتوفيق اللّه ، وكل شيء يجري بمشيئة اللّه تعالى وعلمه وقضائه وقدره . غلبت مشيئته المشيئات كلها ، [ وعكست إرادته الإرادات كلها ] ، وغلب

--> ( 621 ) قال عفيفي : انظر ص 332 ج 1 من « مختصر الموصلي » . ( 622 ) مسلم وغيره عن ابن عباس ، وهو مخرج في « الروض النضير » ( 406 ) . ( 623 ) قال عفيفي : انظر ص 333 ج 1 و 327 ج 14 من « مجموع الفتاوى » .