ابن أبي العز الحنفي

431

شرح العقيدة الطحاوية

وَالْإِنْسِ الأعراف : 179 ، الآية . وعن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : دعي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى جنازة صبي من الأنصار ، فقلت : يا رسول اللّه ، طوبى لهذا ، عصفور من عصافير الجنة ، لم يعمل سوءا ولم يدركه ، فقال : « أو غير ذلك يا عائشة ، إن اللّه خلق للجنة أهلا ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلا ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم » « 608 » . رواه مسلّم وأبو داود والنسائي . وقال تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ ، فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً . إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ، إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً الدهر : 2 - 3 . والمراد الهداية العامة ، وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى : الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى طه : 50 . فالموجودات نوعان : أحدهما مسخّر بطبعه ، والثاني متحرك بإرادته فهدى الأول لما سخّره له طبيعة ، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره وعلمه بما ينفعه ويضره . ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع : نوع لا يريد إلا الخير ولا يتأتى منه إرادة سواه ، كالملائكة ، ونوع لا يريد إلا الشر ولا يتأتى منه إرادة سواه ، كالشياطين ، ونوع يتأتى منه إرادة القسمين ، كالإنسان . ثم جعله ثلاثة أصناف : صنفا يغلب إيمانه ومعرفته وعقله هواه وشهوته ، فيلتحق بالملائكة . وصنفا عكسه ، فيلتحق بالشياطين . وصنفا تغلب شهوته البهيمية عقله ، فيلتحق بالبهائم . والمقصود : أنه سبحانه أعطى الوجودين : العيني والعلمي ، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده ، فلا هداية إلا بتعليمه ، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته ، وثبوت وحدانيته ، وتحقيق ربوبيته ، سبحانه وتعالى . وقوله : فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه ، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه ، الخ - مما يجب أن يعلم : أن اللّه تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه ، وهو العمل الصالح ، فإنه : مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً طه : 112 . وكذلك لا يعاقب أحدا إلا بعد حصول سبب العقاب ، فإن اللّه تعالى يقول : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشورى : 30 . وهو سبحانه المعطي المانع ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع .

--> ( 608 ) صحيح ، وهو مخرج في « ظلال الجنة تخريج السنة » لابن أبي عاصم ( 251 ) .