ابن أبي العز الحنفي

399

شرح العقيدة الطحاوية

عباس رضي اللّه عنهما : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم مر بقبرين ، فقال : « إنهما ليعذّبان ، وما يعذّبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ، فدعا بجريدة رطبة ، فشقها نصفين ، وقال : لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا » « 527 » . وفي « صحيح » أبي حاتم عن أبي هريرة ، قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا قبر أحدكم ، أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان . يقال لأحدهما المنكر ، وللآخر : النكير » « 528 » ، وذكر الحديث إلخ . . وقد تواترت الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا ، وسؤال الملكين ، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به ، ولا تتكلّم في كيفيته ، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته ، لكونه لا عهد له به في هذا الدار ، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول ، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول . فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا ، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا . فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق ، متغايرة الأحكام : أحدها : تعلقها به في بطن الأم جنينا . الثاني : تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض . الثالث : تعلقها به في حال النوم ، فلها به تعلق من وجه ، ومفارقة من وجه . الرابع : تعلقها به في البرزخ ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليّا بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة ، فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المسلّم ، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه . وهذا الردّ إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة . الخامس : تعلقها به يوم بعث الأجساد ، وهو أكمل أنواع تعلقها البدن ، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه ، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا ، فالنوم أخو الموت . فتأمل هذا يزح عنك إشكالات كثيرة .

--> ( 527 ) متفق عليه « صحيح أبي داود » ( 15 ) . ( 528 ) حسن ، أخرجه الترمذي أيضا ( 1 / 119 ) وقال « حديث حسن غريب » ، قلت واسناده حسن ، وفيه رد على من انكر من المعاصرين تسمية الملكين ب : « المنكر » و « النكير » وهو مخرج في « الصحيحة » ( 1391 ) .