ابن أبي العز الحنفي
396
شرح العقيدة الطحاوية
وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم ، ثم أحياهم بعد ذلك ، ثم أماتهم ، ثم يحييهم يوم النشور ، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة ، وإلا كانت ثلاث موتات . وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة إذا جاء اللّه لفصل القضاء ، وأشرقت الأرض بنوره ، وليس ذلك بموت . وسيأتي ذكر ذلك ، إن شاء اللّه تعالى . وكذلك صعق موسى عليه السلام لم يكن موتا ، والذي يدل عليه أن نفخة الصعق - واللّه أعلم - موت كل من لم يذق الموت قبلها من الخلائق ، وأما من ذاق الموت ، أو لم يكتب عليت الموت من الحور والولدان وغيرهم ، فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية . واللّه أعلم . قوله : ( وبعذاب القبر لمن كان له أهلا ، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه ، على ما جاءت به الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وعن الصحابة رضوان اللّه عليهم . والقبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النيران ) . ش : قال تعالى : وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ غافر : 45 - 46 . وقال تعالى : فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ . يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ . وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ . وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ الطور : 45 - 47 . وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا ، وأن يراد به عذابهم في البرزخ ، وهو أظهر ، لأن كثيرا منهم مات ولم يعذّب في الدنيا ، أو المراد أعم من ذلك . وعن البراء بن عازب رضي اللّه عنه ، قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقعد وقعدنا حوله ، كأنّ على رؤوسنا الطير ، وهو يلحد له ، فقال : « أعوذ باللّه من عذاب القبر » ، ثلاث مرات ، ثم قال : « إن العبد [ المؤمن ] إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا ، نزلت إليه الملائكة ، كأن على وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة ، وحنوط من حنوط الجنة ، فجلسوا منه مدّ البصر ، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ، فيقول : يا أيتها النفس الطيبة ، أخرجي إلى مغفرة من اللّه