ابن أبي العز الحنفي

363

شرح العقيدة الطحاوية

وأن تؤدوا خمس ما غنمتم » « 464 » . ومعلوم أنه لم يرد [ أن ] هذه الأعمال تكون إيمانا باللّه بدون إيمان القلب ، لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب . فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان ، وقد تقدم الكلام على هذا . والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق ، وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة ، فإن تلك إنما فسرتها السنة ، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة . فمن الكتاب قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ الأنفال : 2 ، الآية . وقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا الحجرات : 15 ، الآية . وقوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً النساء : 65 ، فنفي الإيمان حتى توجد هذه الغاية - : دل على أن هذه الغاية فرض على الناس ، فمن تركها كان من أهل الوعيد [ و ] لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب ، الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب . ولا يقال إن بين تفسير النبي صلى اللّه عليه وسلّم الإيمان في حديث جبرائيل وتفسيره إياه في حديث وفد عبد القيس معارضة ، لأنه فسر الإيمان في حديث جبرائيل بعد تفسير الإسلام ، فكان المعنى أنه الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر مع الأعمال التي ذكرها في تفسير الإسلام ، كما أن الإحسان متضمن للإيمان الذي قدم تفسيره قبل ذكره . بخلاف حديث وفد عبد القيس ، لأنه فسره ابتداء ، لم يتقدم قبله تفسير الإسلام . ولكن هذا الجواب لا يتأتى على ما ذكره الشيخ رحمه اللّه من تفسير الإيمان ، فحديث وفد عبد القيس مشكل عليه . ومما يسأل عنه : أنه إذا كان ما أوجبه اللّه من الأعمال الظاهرة أكثر من الخصال الخمس التي أجاب [ بها ] النبي صلى اللّه عليه وسلّم في حديث جبرائيل المذكور ، فلم قال إن الإسلام هذه الخصال الخمس ؟ وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر شعائر الاسلام وأعظمها ، وبقيامه بها يتم استسلامه ، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده . والتحقيق : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقا ،

--> ( 464 ) متفق عليه .