ابن أبي العز الحنفي

356

شرح العقيدة الطحاوية

المبارك : لو همّ رجل في البحر « 449 » أن يكذب في الحديث ، لأصبح والناس يقولون : فلان كذاب . وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب - ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلا بالحديث ، والبحث عن سير الرواة ، ليقف على أحوالهم وأقوالهم ، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل ، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدا في كلمة يتقولها على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك . وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم ، فهم ترك الإسلام « 450 » وعصابة الإيمان ، وهم نقاد الأخبار ، وصيارفة الأحاديث . فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم ، وعرف حالهم ، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم - : ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه . ومن له عقل ومعرفة يعلم أن أهل الحديث لهم [ من ] العلم بأحوال نبيهم وسيرته وأخباره ، ما ليس لغيرهم به شعور ، فضلا أن يكون معلوما لهم أو مظنونا . كما أن النجاة عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم ، وعند الأطباء من كلام بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم ، وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره ، فلو سألت البقال عن أمر العطر ، أو العطار عن البز ، ونحو ذلك ! ! لعد ذلك جهلا كبيرا . ولكن النفاة قد جعلوا قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشورى : 11 - : مستندا لهم في رد الأحاديث الصحيحة ، فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم ، وما وضعته « 451 » . خواطرهم وأفكارهم - ردوه ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشورى : 11 ، تلبيسا منهم وتدليسا على من هو أعمى قلبا منهم ، وتحريفا لمعنى الآي عن مواضعه . ففهموا من أخبار الصفات ما لم يرده اللّه ولا رسوله ، ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام ، أنه « 452 » يقتضي إثباتها التمثيل بما « 453 » للمخلوقين ! ثم

--> ( 449 ) في الأصل : السجن . ( 450 ) « ترك » بضم التاء المثناة والراء : جمع « تريكة » بفتح التاء وكسر الراء ، وهي بيضة الحديد للرأس . يريد أنهم دروع الاسلام وحفظته . ( 451 ) في الأصل : وصفته . ( 452 ) في الأصل : انها . ( 453 ) في الأصل : بها .