ابن أبي العز الحنفي
327
شرح العقيدة الطحاوية
يقوم بالقلب ، وهو قدر زائد على مجرد الفعل ، والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره . [ وأيضا ] : فإنه قد يعفى لصاحب الإحسان « 385 » العظيم ما لا يعفى لغيره ، فإن فاعل السيئات يسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب ، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة : السبب الأول : التوبة ، قال تعالى : إِلَّا مَنْ تابَ مريم : 60 ، الفرقان : 70 . إِلَّا الَّذِينَ تابُوا البقرة : 160 وغيرها . والتوبة النصوح ، وهي الخالصة ، لا يختص بها ذنب دون ذنب ، لكن هل تتوقف صحتها على أن تكون عامة ؟ حتى لو تاب من ذنب وأصر على آخر لا تقبل ؟ والصحيح أنها تقبل . وهل يجبّ الإسلام ما قبله من الشرك وغيره من الذنوب وإن لم يتب منها ؟ أم لا بدّ مع الإسلام من التوبة من غير الشرك ؟ حتى لو أسلم وهو مصرّ على الزنا وشرب الخمر مثلا ، هل يؤاخذ بما كان منه في كفره من الزنا وشرب الخمر ؟ أم لا بدّ أن يتوب من ذلك الذنب مع إسلامه ؟ أو يتوب توبة عامة من كل ذنب ؟ وهذا هو الأصح : أنه لا بد من التوبة مع الإسلام ، وكون التوبة سببا لغفران الذنوب وعدم المؤاخذة بها - مما لا خلاف فيه بين الأمة . وليس شيء يكون سببا لغفران جميع الذنوب إلا التوبة ، قال تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الزمر : 53 ، وهذا لمن تاب ، ولهذا قال : لا تَقْنَطُوا ، وقال بعدها : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ الزمر : 54 ، الآية . السبب الثاني : الاستغفار ، قال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الأنفال : 33 . لكن الاستغفار تارة يذكر وحده ، وتارة يقرن بالتوبة ، فإن ذكره وحده دخلت معه التوبة ، كما إذا ذكرت التوبة وحدها شملت الاستغفار . فالتوبة تتضمن الاستغفار ، والاستغفار يتضمن التوبة ، وكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق ، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى ، فالاستغفار : طلب وقاية شرّ ما مضى ، والتوبة : الرجوع وطلب وقاية شرّ ما يخافه في المستقبل
--> ( 385 ) في الأصل : السيئات .