ابن أبي العز الحنفي

314

شرح العقيدة الطحاوية

قوله : ( ولا نجادل في القرآن ، ونشهد أنه كلام رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى اللّه عليه وسلّم . وهو كلام اللّه تعالى ، لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ، ولا نقول بخلقه ، ولا نخالف جماعة المسلمين ) . ش : فقوله ولا نجادل في القرآن ، يحتمل أنه أراد : أنّا لا نقول فيه كما قال أهل الزيغ واختلفوا ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، بل نقول : إنه كلام رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، إلى آخر كلامه . ويحتمل أنه أراد : أنّا لا نجادل في القراءة الثابتة ، بل نقرؤه بكل ما ثبت وصح . وكلّ من المعنيين حقّ . [ و ] يشهد بصحة المعنى الثاني ، ما روي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ، أنه قال : سمعت رجلا قرأ آية سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقرأ خلافها ، فأخذت بيده ، فانطلقت به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فذكرت ذلك له ، فعرفت في وجهه الكراهة ، وقال : « كلاكما محسن ، لا تختلفوا ، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا » رواه مسلم « 360 » نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع صاحبه من الحق ، لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه ، وعلّل ذلك بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا . ولهذا قال حذيفة رضي اللّه عنه ، لعثمان رضي اللّه عنه : أدرك هذه الأمة لا تختلف كما اختلفت الأمم قبلهم . فجمع الناس على حرف واحد اجتماعا سائغا . وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة ، ولم يكن في ذلك ترك لواجب « 361 » ، ولا فعل لمحظور ، إذ كانت قراءة القرآن على سبعة أحرف جائزة لا واجبة ، رخصة من اللّه تعالى ، وقد جعل الاختيار إليهم في أي حرف اختاروه . كما أن ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم منصوصا . ولهذا كان ترتيب مصحف عبد اللّه على غير ترتيب المصحف العثماني ، وكذلك مصحف غيره . وأما ترتيب آيات السور فهو ترتيب منصوص عليه ، فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية ، بخلاف السور .

--> ( 360 ) صحيح ، ولم يروه مسلم ، بل تفرد به البخاري دونه ، اخرجه في « الخصومات » و « الأنبياء » ومن الغريب تصدير الشارح إياه بقوله : « روي » المشعر بضعفه في اصطلاح المحدثين ! وهذا أمر تساهل فيه أكثر المتأخرين كما نبه عليه النووي وغيره . ( 361 ) في الأصل : واجب .