ابن أبي العز الحنفي

288

شرح العقيدة الطحاوية

صلى اللّه عليه وسلّم أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ، فلا يرونه إلا من فوقهم ، كما قال صلى اللّه عليه وسلّم : « بينا أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم ، وقال : يا أهل الجنة ، سلام عليكم ، ثم قرأ قوله تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ يس : 58 . ثم يتوارى عنهم ، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم » « 322 » رواه الإمام أحمد في « المسند » ، وغيره ، من حديث جابر رضي اللّه عنه . ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية . ولهذا طرد الجهمية الشقين « 323 » ، وصدّق أهل السنة بالأمرين معا ، وأقروا بهما ، وصار من أثبت الرؤية ونفى العلوّ مذبذبا بين ذلك ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ! وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل ، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله ! وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك ! وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدّا : فمنه : ما روى شيخ الاسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق ، بسنده إلى مطيع البلخي : أنه سأل أبا حنيفة عمن قال : لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض ؟ فقال : قد كفر ، لأن اللّه يقول : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه : 5 وعرشه فوق سبع سماواته ، قلت : فإن قال : إنه على العرش ، ولكن يقول : لا أدري العرش في السماء أم في الأرض ؟ قال : هو كافر ، لأنه أنكر أنه في السماء ، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر . وزاد غيره : لأن اللّه في أعلى عليين ، وهو يدعى من أعلى ، لا من أسفل . انتهى . ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة ، فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم ، مخالفون له في كثير من اعتقاداته . وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في [ بعض ] اعتقاداتهم . وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي ، لما أنكر أن يكون اللّه عز وجل فوق العرش - : مشهورة . رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره . ومن تأول « فوق » ، بأنه خير من عباده وأفضل منهم ، وأنه خير من العرش

--> ( 322 ) ضعيف ، وتقدم بالحديث ( رقم 141 ) . ( 323 ) في الأصل : النفيين .