ابن أبي العز الحنفي
274
شرح العقيدة الطحاوية
يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعني به هؤلاء ، كقول ابن عمر رضي اللّه عنهما ، لما قيل له : يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف : أخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء . والقدر ، الذي هو التقدير المطابق للعلم : يتضمن أصولا عظيمة : أحدها : أنه عالم بالأمور المقدّرة قبل كونها ، فيثبت علمه القديم ، وفي ذلك الرد على من ينكر علمه القديم . الثاني : أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات ، ومقاديرها هي صفاتها المعينة المختصة بها ، فإن اللّه قد جعل لكل شيء قدرا ، قال تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً الفرقان : 2 . فالخلق يتضمن التقدير ، تقدير الشيء في نفسه ، بأن يجعل له قدرا ، وتقديره قبل وجوده . فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته ، كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعيّنة ، خلافا لمن أنكر ذلك وقال : إنه يعلم الكليات دون الجزئيات ! فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات . الثالث : أنه يتضمن أنه أخبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخبارا مفصلا ، فيقضي أنه يمكن أن يعلم العباد الأمور قبل وجودها علما مفصلا ، فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم ، فإنه كان يعلم عباده بذلك فكيف لا يعلمه هو ؟ ! الرابع : أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله ، محدث له بمشيئته وإرادته ، ليس لازما لذاته . الخامس : أنه يدل على حدوث هذا المقدور ، وأنه كان بعد أن لم يكن ، فإنه يقدّره ثم يخلقه . قوله : ( فويل لمن صار للّه تعالى في القدر خصيما ، وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما ، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرّا كتيما ، وعاد بما قال فيه أفّاكا أثيما ) . ش : [ اعلم أن ] القلب له حياة وموت ، ومرض وشفاء ، وذلك أعظم مما للبدن . قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها الانعام : 122 . أي كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان . فالقلب الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها ، بخلاف القلب الميت ، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح ، كما قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : « هلك من لم يكن له قلب