ابن أبي العز الحنفي

261

شرح العقيدة الطحاوية

وعن معاوية ابن أبي سفيان رضي اللّه عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة » « 265 » . يعني : الأهواء ، كلها « 266 » في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة . وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة : مسألة القدر . وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع . وقوله : فمن سأل : لم فعل ؟ فقد ردّ حكم الكتاب ، ومن ردّ حكم الكتاب كان من الكافرين . اعلم أن مبنى العبودية والإيمان باللّه وكتبه ورسله - على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع . ولهذا لم يحك اللّه سبحانه عن أمة نبيّ صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به ، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلّغها عن ربها ، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها ، بل انقادت وسلمت وأذعنت ، وما عرفت من الحكمة عرفته ، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته ، ولا جعلت ذلك من شأنها ، وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك ، كما في الإنجيل : « يا بني إسرائيل لا تقولوا : لم أمر ربنا ؟ ولكن قولوا : بم أمر ربنا » ، ولهذا كان سلف هذه الأمة ، التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما - لا تسأل نبيها : لم أمر اللّه بكذا ؟ ولم نهى عن كذا ؟ ولم قدّر كذا ؟ ولم فعل كذا ؟ لعلمهم أن ذلك مضادّ للإيمان والاستسلام ، وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم . فأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به ، ثم العزم الجازم على امتثاله ، ثم المسارعة إليه والمبادرة به ، والحذر عن القواطع والموانع ، ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه ، ثم فعله لكونه مأمورا ، بحيث لا يتوقف الإتيان به على معرفة حكمته - فإن ظهرت له

--> ( 265 ) صحيح ، ومخرج في المصدر المذكور ( 204 ) . ( 266 ) في الأصل : كلّهم .