ابن أبي العز الحنفي

259

شرح العقيدة الطحاوية

وقوله : والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان . آخره - التعمق : هو المبالغة في طلب الشيء . والمعنى : أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة الخذلان . الذريعة : الوسيلة . والذريعة والدرجة والسلم - متقاربة المعنى ، وكذلك الخذلان والحرمان والطغيان متقاربة المعنى أيضا . لكن الخذلان في مقابلة الظفر . والطغيان في مقابلة الاستقامة . وقوله : فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة . عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، قال : جاء ناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فسألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به ؟ قال : « وقد وجدتموه ؟ قالوا : نعم ، قال : ذلك صريح الإيمان » « 257 » . رواه مسلم ، الإشارة بقوله : « ذلك صريح الإيمان » إلى تعاظم أن يتكلموا به . ولمسلم أيضا عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ، قال : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن الوسوسة ؟ فقال : « تلك محض الإيمان » « 258 » . فهو بمعنى حديث أبي هريرة ، فإن وسوسة النفس أو مدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين ، فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان . هذه طريقة الصحابة رضي اللّه عنهم والتابعين لهم بإحسان . ثم خلف من بعدهم خلف ، سوّدوا الأوراق بتلك الوساوس ، التي هي شكوك وشبه ، بل سوّدوا الأوراق بتلك الوساوس ، التي هي شكوك وشبه ، بل وسوّدوا القلوب ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، ولذلك أطنب الشيخ رحمه اللّه في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه . وعن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « أبغض الرجال إلى اللّه الألد الخصم » « 259 » . وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا داود ابن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر ، قال « 260 » : فكأنما تفقّأ في وجهه حبّ الرّمان من الغضب ،

--> ( 257 ) اخرجه مسلم ( 1 / 83 ) وكذا احمد ( 2 / 456 ) . ( 258 ) رواه مسلم عنه ، وأحمد ( 6 / 106 ) من حديث عائشة . ( 259 ) متفق عليه . ( 260 ) القائل هو المشاهد لغضب النبي صلى اللّه عليه وسلّم عندما سمعهم يخوضوا في بحث القدر ، لما في الخوض به من مخالفة لما شرعه اللّه سبحانه .