ابن أبي العز الحنفي

252

شرح العقيدة الطحاوية

على الفرق بين : المشيئة ، والمحبة . الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة . أما نصوص المشيئة والإرادة من الكتاب ، فقد تقدم ذكر بعضها . وأما نصوص المحبة والرضى ، فقال تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ البقرة : 205 . وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ الزمر : 7 . وقال تعالى عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر : : كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً الاسراء : 38 . وفي « الصحيح » عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه كره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال » « 247 » . وفي « المسند » : إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته « 248 » . وكان من دعائه : « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك » « 249 » . فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضى من صفة السخط ، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة . فالأول : الصفة ، والثاني : أثرها المرتب عليها ، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه ، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره ، فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك ، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك ، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه ، وان شئت أن تغضب عليه وتعاقبه ، فإعاذتي مما أكره ومنعه أن يحل بي ، هي بمشيئتك أيضا ، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك ، فعياذي بك منك ، وعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك ، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك ، بل هو منك . فلا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية ، إلا الراسخون في العلم باللّه ومعرفته ومعرفة عبوديته . فإن قيل : كيف يريد اللّه أمرا ولا يرضاه ولا يحبه ؟ وكيف يشاؤه ويكوّنه ؟ وكيف يجمع إرادته له وبغضه وكراهته ؟ قيل : هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقا ، وتباينت طرقهم وأقوالهم . فاعلم أن المراد نوعان : مراد لنفسه ، ومراد لغيره .

--> ( 247 ) صحيح متفق عليه ، البخاري في « الاستقراض » ومسلم في « الأقضية » . ( 248 ) صحيح ، رواه أحمد وغيره بسند صحيح . وهو مخرج في « إرواء الغليل » ( 564 ) . ( 249 ) صحيح ، وتقدم ( برقم 72 ) وهو مخرج في صحيح أبي داود ( 823 ) .