ابن أبي العز الحنفي

247

شرح العقيدة الطحاوية

من مسلمة الدار ، لا مسلمة الاختيار ، وهذا إذا قيل له في قبره : من ربك ؟ قال هاه هاه ، لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته . فليتأمل اللبيب هذا المحل ، ولينصح نفسه ، وليقم معه ، ولينظر من أي الفريقين هو ؟ واللّه الموفق ، فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل ، فإنه مركوز في الفطر وأقرب ما ينظر فيه المرء « 237 » أمر نفسه لما كان نطفة ، وقد خرج من بين الصلب والترائب [ والترائب ] : عظام الصدر « 238 » ، ثم صارت تلك النطفة في قرار مكين ، في ظلمات ثلاث ، وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق ، ولو كانت موضوعة على لوح أو طبق ، واجتمع حكماء العالم على أن يصوّروا منها شيئا لم يقدروا . ومحال توهم عمل الطبائع فيها ، لأنها موات عاجزة ، ولا توصف بحياة ، ولن يتأتى من الموات فعل وتدبير ، فإذا تفكر في ذلك وانتقال هذه النطفة من حال إلى حال ، علم بذلك توحيد الربوبية ، فانتقل منه إلى توحيد الإلهية . فإنّه إذا علم بالعقل أن له ربّا أوجده ، كيف يليق به أن يعبد غيره ؟ وكلما تفكّر وتدبر ازداد يقينا وتوحيدا ، واللّه الموفق ، لا رب غيره ، ولا إله سواه . قوله : ( وقد علم اللّه تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة ، وعدد من يدخل النار ، جملة واحدة ، فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه . وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه ) . ش : قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ الأنفال : 75 . وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً الأحزاب : 40 . فاللّه تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا وأبدا ، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة . وما كان ربك نسيّا . وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فقعد وقعدنا حوله ، ومعه مخصرة ، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثم قال : ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب اللّه مكانها من الجنة والنار ، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة ، قال : فقال رجل : يا رسول اللّه ، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟

--> ( 237 ) في الأصل : من . ( 238 ) في الأصل : الصدور .