ابن أبي العز الحنفي

245

شرح العقيدة الطحاوية

أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ الأعراف : 173 ، أي توعدهم « 230 » بجحودهم وشركهم لما قالوا ذلك ، وهو سبحانه إنما يهلكهم بمخالفة رسله وتكذيبهم ، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل . التاسع : أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربّه وخالقه ، واحتجّ عليه بهذا في غير موضع من كتابه ، كقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لقمان : 25 ، فهذه هي الحجة التي أشهدهم « 231 » على أنفسهم بمضمونها ، وذكّرتهم بها رسله ، بقولهم : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إبراهيم : 10 . العاشر : أنه جعل هذا آية ، وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها ، وهذا شأن آيات الرب تعالى ، فقال تعالى : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الأعراف : 174 ، وإنما ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه ، فما من مولود إلا يولد على الفطرة ، لا يولد مولود على غير هذه الفطرة ، هذا أمر مفروغ منه ، لا تبديل ولا تغيير . وقد تقدمت الإشارة إلى هذا . واللّه أعلم . وقد تفطن لهذا ابن عطية وغيره ، ولكن هابوا مخالفة [ ظاهر ] تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن اللّه أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم . وكذلك حكى القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في « شرح التأويلات » ورجح القول الثاني ، وتكلم عليه ومال إليه « 232 » . ولا شك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري ، والشرك حادث طارئ ، والأبناء تقلدوه « 233 » عن الآباء ، فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن ، يقال لهم : أنتم كنتم معترفين « 234 » بالصانع ، مقرين بأن اللّه ربكم لا شريك له ، وقد

--> ( 230 ) في الأصل : لو عذّبهم . ( 231 ) في الأصل : اشهد . ( 232 ) قال الشيخ عفيفي : انظر المسألة 18 من « الروح » لابن القيم . ( 233 ) في الأصل : يقلّدون . ( 234 ) في الأصل : مقرون .