ابن أبي العز الحنفي
242
شرح العقيدة الطحاوية
وعملها ، واستخرج تلك الصور من مادتها ، ثم أعادها إليها ، وقدّر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له ، ولا يدل على أنها خلقت خلقا مستقرا واستمرت موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة ، كما قاله ابن حزم . فهذا لا تدل الآثار عليه . نعم ، الربّ سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة ، [ كما قاله ] على الوجه الذي سبق به التقدير « 225 » أولا ، فيجيء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق ، كشأنه سبحانه في جمع مخلوقاته ، فإنه قدر لها أقدارا وأجالا ، وصفات وهيئات ، ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير السابق . فالآثار المروية في ذلك إنما تدل على القدر السابق ، وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة . وأما الإشهاد عليهم هناك ، فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وعمر رضي اللّه عنهم . ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد انما هو فطرتهم « 226 » على التوحيد ، كما تقدم [ كلام المفسرين على هذه الآية الكريمة ] في حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ومعنى قوله ( شهدنا ) : أي قالوا : بلى شهدنا أنك ربنا . وهذا قول ابن عباس وأبيّ بن كعب . وقال ابن عباس أيضا : أشهد بعضهم على بعض . وقيل : ( شهدنا ) من قول الملائكة ، [ و ] الوقف على قوله ( بلى ) . وهذا قول مجاهد والضحاك وقال السدّي أيضا : هو خبر من اللّه تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم . والأول أظهر ، وما عداه احتمال لا دليل عليه ، وانما يشهد ظاهر الآية للأول . واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن اللّه استخرج ذرية آدم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم ، كالثعلبي والبغوي وغيرهما . ومنهم من لم يذكره ، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها اللّه فيهم ، كالزمخشري وغيره ، ومنهم من ذكر القولين ، كالواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم ، لكن نسب الرازي القول الأول إلى أهل السنة ، والثاني إلى المعتزلة . ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول ، أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم ، وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم ، وإنما ذكر الأخذ من
--> ( 225 ) في الأصل : التدبير . ( 226 ) في الأصل : فطرهم .